فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 94

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله [1] [2] .

ب) الطائفة الثانية من المنافقين المذمومين في القرآن: هم الذين آمنوا أو بالأحرى تظاهروا بالإسلام مكرهين مجبرين لما رأوا راية الإسلام ارتفعت فوق رؤوسهم، و هؤلاء عدة معروفة من أمثال عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول و أبي سفيان صخر بن حرب و الحكم بن أبي العاص ونظائرهم. و قد وصف القرآن الكريم أفعالهم و أقوالهم كقوله عنهم: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أُمِروا أن يكفروا به ... } النساء/60، و قوله: {و إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لَوَّوْا رؤوسهم و رأيتهم يصدُّون و هم مستكبرون ... (ثم يقول) : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ... } أي كانوا يحرضون الأنصار على عدم إيواء و مساعدة من هاجر إليهم من المهاجرين و فقراء الصحابة، ثم يقول عنهم: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل ... } المنافقون / 5 - 7. و من الواضح أن أحدا من هؤلاء المنافقين لم يكن له حضور في سقيفة بني ساعدة و لا طلب أحد رأيه في مسألة تعيين الخليفة و الإمام، حيث أن بعضهم كان قد مات قبل ذلك و البعض الآخر كان خارج المدينة أو كان على درجة من افتضاح نفاقه لا يتمكن معها من حضور مثل تلك الاجتماعات.

ج) و الطائفة الثالثة من المنافقين الذين ذمهم القرآن هم الذين كانوا يوالون أعداء الإسلام من اليهود و النصارى و يتحالفون معهم خفية أو يعدونهم بالنصرة والعون ضد المسلمين، و صفتهم هذه كانت تظهر للعيان كلما واجه المسلمون عداوة أهل الكتاب أو وقعوا في حرب معهم، و كان من الطائفتين السابقتين من يشارك هؤلاء في هذه الصفة الخبيثة، و قد جاء ذكر أمر هؤلاء النمط في عدة سور كقوله تعالى في سورة المائدة: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة .. } الآية 52، و في سورة النساء: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} الآيتان 138 - 139، و في سورة الحشر: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لنخرجنَّ معكم و لا نطيع فيكم أحدا أبدا ولئن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} الآية 11، فإذا دققنا النظر في هذه الآيات (و أسباب نزولها) اتضح لنا مراد الله تعالى من المنافقين وتبين أنه لا يمكن أن نجد أحدًا من الأنصار و المهاجرين و سائر الصحابة الكرام الممدوحين في القرآن كان مبتلى بتلك الصفات المذكورة، أو حضر، متلبسا بالنفاق، في السقيفة ليعارض خلافة علي على الرغم من نص الله و وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم!

و علاوة على كل ما سبق، فإن المنافقين كانوا أشخاصا قد أمر الله نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) بمجاهدتهم و الغلظة عليهم، فأي واحد من الذين حضروا السقيفة كان ممن كان الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) يجاهده و يغلظ عليه؟ هل عمل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بأمر الله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم و مأواهم جهنم و بئس المصير} أم لا؟ فإن عمل فأي واحد من المهاجرين أو الأنصار الحاضرين في السقيفة و الذين ساعدوا في البيعة لأبي بكر رضي الله عنه كان من الذين جاهدهم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و غلظ عليهم؟؟!

4 ـ (استدل بعضهم) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) و ذلك كقوله تعالى: {و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟! .. } آل عمران / 144، و قوله سبحانه: {و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .. } البقرة / 143، و قوله عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا مَنْ يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين .. } المائدة / 54.

و علاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في المعصية أو الجنوح لأهواء المضلين، و مثل هذه التحذيرات تدل على أن وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمور أمر ممكن و محتمل (إن لم يعصمه الله) ، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله) ممكنا، أفلا يكون في حق غيره محتملا بنسبة أكثر بكثير؟ ... و ذلك مثل قوله تعالى: {و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك و إذا لاتخذوك خليلا. و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذا لأذقناك ضعف الحياة و ضعف المماة ثم لا تجد لك علينا نصيرا} الإسراء/73 ـ 75 أو قوله تعالى: { .. و لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} البقرة /145، أو قوله سبحانه: { .. و لا تكوننَّ من المشركين. ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} يونس/105 ـ 106، أو قوله: {يا أيها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين و المنافقين .. } الأحزاب/1 و نحوها.

قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في الشرك أو الخطأ أو العصيان أو اتباع أهواء الكفار، فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلا لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل و النقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحق مدح الله و الثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه فكما أنه لم يمنع كل المديح و الثناء الذي شرف الله تعالى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بقاء إمكان الانحراف و الوقوع بالعصيان منه، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال ممكنا في حق أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم و حفظهم. و هذا ما وقع فعلا منهم حسبما ندعيه من ردة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) طبقا لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!

(1) لقد شهد الله تعالى بالإيمان القلبي الصادق لأهل بيعة الرضوان الذين يشكلون عمدة أهل الحل والعقد في بيعة السقيفة، و ذلك في قوله سبحانه: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا} ( x)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت