كانت في هذه الأرض الواسعة حتى لو كانت بلادا لا تدين بدينهم كالحبشة، مسلمين أنفسهم لمصير مجهول، وذلك كجعفر بن أبي طالب و مصعب بن عمير وعبد الله بن مسعود و عتبة بن غزوان y و و و ... ، و مع ذلك كانوا يقبلون على الهجرة مسرورين راضين و يصرفون نظرهم عن الوطن و القرابة والأصحاب، و لا ينحرفون ذرة عن دينهم.
أجل هؤلاء هم الذين يذكر القرآن الكريم لنا بأفضل صورة كيفية إيمانهم و تحملهم للعذاب و تعرضهم للاضطهاد و الإيذاء و يثني على تحملهم الأذى وهجرتهم م في سبيله فيقول: {و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلِموا لنُبَوِّئنَّهم في الدنيا حسنة و لأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} النحل / 41 ـ 42، و يقول: { .. فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قُتِلوا لأكفرنَّ عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار .. } آل عمران / 195، ويقول كذلك: {للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون} الحشر / 8 حيث يتفق جميع المفسرين بلا خلاف أن هذه الآيات نزلت في المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة.
و لاننسى ذلك الدعاء الجميل من أدعية حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليهم السلام المسطور في"الصحيفة السجادية"الذي ـ عوضا أن يعتبر الصحابة المهاجرين و الأنصار مرتدين! ـ يدعو فيه لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنصار ومهاجرين فيقول: (( اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، و كانفوه و أسرعوا إلى وفادته، و سابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته. و فارقوا الأزواج و الأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء و الأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به. و من كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته. والذين هجرتهم العشائر أن تعلقوا بعروته، و انتفت منهم القرابات أن سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس اللهم لهم ما تركوا لك و فيك ... و اشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، و خروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ... ) )، ثم الأهم من ذلك أنه u يدعو عقب ذلك للتابعين الذين ساروا على هدي أولئك الصحابة فيقول: (( اللهم و أوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك. الذين تحروا سمتهم و تحروا وجهتهم و مضوا على شاكلتهم. لم يثنهم ريب في بصيرتهم، و لم يختلجهم شك في قفو آثارهم، و الائتمام بهداية منارهم. مكانفين مؤازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، و يتفقون عليهم، و لا يتهمونهم فيما أدوا إليهم .. ) ) [1] [23] .
فأي إنسان، حتى ذلك الذي لا يؤمن و لا يعتقد بالإسلام، يمكنه أن يقول أن هؤلاء ارتدوا فور رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟؟ إن لم يكن هناك دين و إيمان فعلى الأقل الحياء و الإنصاف يجب أن يمنعا من التفوُّه بمثل تلك الكفريَّات.
لقد عرضنا في كتابنا هذا بتوفيق الله، بعضا من سيرة الذين تحملوا أنواع المشقات و استقبلوا بصدر رحب، في سبيل المحافظة على دينهم، صنوف المصائب و البليَّات، و بقوا ثابتين مستقيمين على التضحية و الوفاء إلى آخر رمق، و مع ذلك ما كان موقفهم عقب وفاة نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) في سقيفة بني ساعدة إلا اتباع سبيل سائر المؤمنين، و لم يتكلموا بكلمة اعتراض خلافا لما تم، و قد اكتفينا بما ذكرنا كأنموذج فقط، و إلا فإن كل أصحاب رسول الله [2] [24] كانوا كذلك، وعانوا في صدر الإسلام المشقات وشهدوا الحروب و الغزوات. هذا كان من ناحية النقل الذي يبين كذب الروايات، فلنأت الآن إلى العقل لنرى حكمه في هذه القضية؟
(1) الدعاء الرابع من أدعية الصحيفة السجادية: في الصلاة على أتباع الرسل و مصدقيهم.
(2) ينبغي التنبيه إلى أن مقصودنا من الأصحاب ليس"كل من رأى النبي و لو لحظة أو سمع منه"ـ كما هو اصطلاح المحدثين ـ بل المقصود خاصة النبي (ص) الذين لازموه و نصروه و قاموا معه في أمر الدين، كما نجد ذلك فيما يرويه ابن هشام في سيرته (ج 2/ ص 431) حيث يذكر أنه لما نشب نزاع بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف فشتمه خالد فقال له رسول الله (ص) : (( مهلا يا خالد! دع عنك أصحابي! فو الله لو كان لك أحدٌ ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي و لا روحته ) )هذا مع أن خالدا كان مسلما و رأى الرسول (ص) و سمع منه و لكن الرسول (ص) ميزه عن أصحابه ..