فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 94

واضحا لـ"الذين آمنوا وهاجروا"بل كذلك لم يكن مصداقا لـ"و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" [1] [8] و لما لم يكن من الأنصار أيضا، لم يكن مصداقا لبقية الآية أي لـ"الذين آووا و نصروا". و هذا لا يمنع أنه كان على أعلى درجات الإيمان بل كان في قمة الإيمان.

2 ـ و أما أبو ذر رضي الله عنه فكان من قبيلة غفار، و بعد أن بُعِثَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و اشتهر نبؤه بين العرب و وصل خبره لأبي ذر، ذهب إلى مكة ليستطلع الأمر بنفسه، فلقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلم، و أمَرَه رسول الله بكتمان إيمانه و العودة إلى بلده إلى حين قوة الإسلام، فلما هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة لحق به أبو ذر رضي الله عنه طائعا مختارا دون أن يضطره أحد إلى الهجرة من وطنه [2] [9] .

3 ـ و أما المقداد رضي الله عنه، فمع أنه من السابقين الأولين الذين آمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة، إلا أن هجرته تمَّت بطريقة خاصة و هي أنه لما خرج كفار مكة لقتال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و من معه من المسلمين في المدينة، خرج المقداد متنكرا مع عتبة بن غزوان ضمن صفوف كفار قريش، و اتجه للمدينة و لحق بالمسلمين فيها. نعم كان المقداد من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة، لذلك تشمله الآية الكريمة، و لكن سيرة المقداد t تدل على أنه لم يكن يعتقد بنص الله U على علي بالخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يدل على ذلك ما نقله الطبري في تاريخه حين قال: [و قال (أي عمر بن الخطاب t لما طُعِن) للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فأجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، و قال لصهيب: صَلِِّ بالناس ثلاثة أيام، و أدخِل عليا وعثمان و الزبير و سعدا و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة إن قدم، و قم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة و رضوا رجلا و أبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، و إن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم و أبى اثنان فاضرب رؤوسهما ... (إلى قوله) : فلما دُفِنَ عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة و يُقال في بيت المال .. إلخ] [3] [10] . فقبول المقداد t لهذه المهمة دليل على عدم اعتقاده بالنص على علي بالخلافة. طبعا هذا لا يمنع أن مقدادا كان من مؤيدي و أنصار علي u و سعى لنقل الخلافة إليه بعد عمر رضي الله عنه.

لا شك أن أولئك الكرام الثلاثة كانوا من كبار أصحاب الرسول المختار و أجلتهم، و من المشمولين بثناء الله و رحمته و رضوانه، لكن اثنين منهم على الأقل ليسا مصاديق واضحة لتلك الآية المذكورة، و إنما ذكرنا ذلك لكي نبين فضيحة ذلك الحديث المشحون بالكذب و الافتراء و المخالف للوجدان والمباين لآيات الله، فالقول بارتداد كل الصحابة على أعقابهم إلا ثلاثة ليس إلا هراء و هذيان محض بل قريب من الكفر [4] [11] .

4 ـ و قال تعالى: {لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} التوبة / 117. يقول الطوسي في تفسيره: [أقسم الله تعالى في هذه الآية، لأن لام لقد لام القسم، بأنه تعالى تاب على النبي و المهاجرين و الأنصار بمعنى أنه رجع إليهم و قبل توبتهم، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، يعني في الخروج معه إلى تبوك، و العسرة صعوبة الأمر و كان ذلك في غزاة تبوك لأنه لحقهم فيها مشقّة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الإبل و عصروا كروشها و مصوا النوى و قل زادهم و ظهرهم، .. (إلى قوله) : و قيل من شدة ما لحقهم هَمَّ كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم ... أي رجع عليهم بقبول توبتهم إنه بهم رؤوف رحيم] [5] [12] قلت: ففي هذه الآية يضع الله تعالى المهاجرين و الأنصار في صف واحد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يشملهم جميعا بالتوبة و الرأفة و الرحمة، إعلاما لنا أن مقام المهاجرين و الأنصار في توبة الله عليهم مثل مقام النبي المختار (صلى الله عليه وآله وسلم) . فهل مثل هؤلاء صاروا مرتدين؟؟

5 ـ {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله} آل عمران / 110. قال الشيخ الطوسي عليه الرحمة في تفسير التبيان: [و اختلف المفسرون في المعنِيِّ بقوله كنتم خير أمة، فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي صلىلله عليه وآله، ذكره ابن عباس و عمر بن الخطاب و السُدِّي، و قال عكرمة نزلت في ابن مسعود و سالم مولى أبي حذيفة و أُبَيّ بن كعب و معاذ بن جبل، و قال الضحاك: هم من أصحاب رسول الله خاصة ... ] [6] [13] . و أيا كانوا فإنهم عند الله خير أمة، أما عند الغلاة المدعين لحب أهل البيت، كانوا أسوأ أمة! [7] [14] . فأيهما نقبل: قول الرب سبحانه أم قول الغلاة المخالفين للقرآن؟؟

(1) بما أنه شهد مع رسول الله r الخندق ثم شهد عدة غزوات منها حنين و تبوك لذا يعتبرمن الذين قاتلوا وجاهدوا قبل الفتح (باعتبار أن غزوة الخندق كانت قبل فتح مكة) ( x)

(2) انظر الإصابة: ج 4 / ص 62، و الاستيعاب (المطبوع في حاشية الإصابة) : ج4 / ص 61. (مت)

(3) تاريخ الأمم و الملوك: ج 3 / ص 294 ـ 295، حوادث سنة 23 و"الكامل في التاريخ"لابن الأثير، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي: الجزء الثاني/ ص 461. (مت)

(4) ما يريد المصنف قوله أن الآيات التي أوردها تؤكد كمال إيمان المهاجرين و الأنصار و استحقاقهم الغفران والجنة و الرضوان، فإذا قيل بارتداد الناس إلا ثلاثة من الصحابة ثم ثبت أن هؤلاء الثلاثة غير داخلين تحتعنوان المهاجرين و الأنصار (لا سيما الأوَّلَيْن منهم) بقيت جميع تلك الآيات المادحة للأنصار و المهاجرين بغير مصداق خارجي أصلا! أو أن نفس أولئك المشهود لهم بصدق الإيمان و الموعودين بالجنات و الغفران كفرة مرتدين!! و كلا الأمرين واضح البطلان فما يؤدي إليهما باطل بلا ريب. (مت)

(5) التبيان في تفسير القرآن: ج 1 / ص: 863 و 864 (من الطبعة الحجرية، طهران 1365 هـ.)

(6) المصدر السابق: ج 1 / ص 346.

(7) يقول القرآن عن المهاجرين: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ... الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور} الحج/ 41 ـ 42، و لكن البعض يدعي أنهم عندما مكن الله تعالى للمهاجرين في الأرض غصبوا الخلافة الإلهية لعلي (ع) ، و بدلوا دين الله و غصبوا إرث ابنة رسول الله (ص) و ضربوها!!

و علي (ع) يقول عن الخليفتين اللذين سبقوه: (( أحسنا السيرة و عدلا في الأمة ) ) (كتاب وقعة صفين، صفحة 201) أما مدعو حب علي (ع) يقولون أنهما كانا ظالمين و غاصبين!! ( x)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت