6 ـ يقول تعالى بدأً من الآية الرابعة من سورة الفتح: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم لِيُدْخِل المؤمنين و المؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و يكَفِّرَ عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} إلى الآية 18 حيث يقول: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا} إلى الآية 26 حيث يقول: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حميَّة الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها و كان الله بكل شيء عليما} ثم يختتم السورة بقوله: {محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل .. إلخ} الفتح /29. من كان هؤلاء المشار إليهم في هذه الآيات؟ هل كان لهذه الآيات مصاديق في الخارج أم لا؟ هل مات جميعهم قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أم بعد وفاته؟ هل تدخلوا في اختيار الخليفة بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) أم لم يتدخلوا؟ هل جميع هذه الآيات نزلت في أولئك الثلاثة أم أنها تشمل آخرين؟ .. إنها أسئلة تطرحها هذه الآيات، و الذي يحق له الإجابة عنها هو المؤمن، لا الغالي عديم الدين مثل"عبد الله بن القاسم الحضرمي"! الذي يجب أن يجيب عن هذه الاسئلة هو المؤمن بالقرآن المعتقد أنه تنزيل رب العالمين العالم بالظواهر و البواطن، لا عبد الله بن القاسم الحضرمي (و أمثاله) الغالي الكذاب عدو الله و رسوله الذي يفتري على لسان إمام من الأئمة: ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة!.
7 ـ و هناك آيات عديدة أخرى في مدح أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نشير لبعضها مثل قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلهم آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله .. } البقرة / 285. هل ارتد أولئك المؤمنون بالله و ملائكته و كتبه و رسله؟ هل كان لهذه الآية الكريمة عندما نزلت مصاديق أم لا؟ إن كان لها مصاديق فمن كانوا؟، أو قوله تعالى: {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلِّمُهُمُ الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} آل عمران / 164. هل كان هناك مؤمنون منَّ الله تعالى عليهم بما ذكر؟ و في حال وجودهم فهل ماتوا جميعا قبل رحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ هل يستطيع أحد أن يدعي مثل هذا الادعاء؟
8 ـ و تلك الآية الكريمة التي نزلت بحق المؤمنين المجاهدين في واقعة حمراء الأسد التي يقول الله تعالى فيها: { .. و أن الله لا يضيع أجر المؤمنين. الذين استجابوا لله و الرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان الله و الله ذو فضل عظيم} آل عمران /171 ـ 174.
هل مثل هؤلاء المؤمنين كان لهم وجود أم لا؟ و إن كان لهم وجود فمن كانوا؟ هل كانوا أولئك الثلاثة فقط الذين لم يرتدوا بعد رسول الله، أي سلمان و المقداد و أبو ذر؟! هذا في حين أن سلمان لم يكن في ذلك الحين بين أولئك المؤمنين المشار إليهم في الآية أصلا لأنها نزلت في شأن مجاهدي غزوة أُحُد وسلمان لم يلتق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يُسْلِم على يديه إلا بعد أُحُد، كما أن وجود أبي ذر رضي الله عنه بينهم ليس مؤكدًا، إذن من هم الذين يمدحهم الله في هذه الآيات كل هذا المديح؟ و هل ماتوا جميعا قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ الحقيقة أن اسم مجاهدي بدر و أحد مسجل في التاريخ وأكثرهم كانوا أحياء في زمن الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرتهم المليئة بالفخار و العظمة مدونة معروفة.
9 ـ أو الآيات الكريمة: {إن في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما و قعودا وعلى جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (إلى قوله تعالى) : فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر و أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفِّرَنَّ عنهم سيئاتهم و لأدخلنَّهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله و الله عنده حسن الثواب} آل عمران / 190 ـ 195. يقول الشيخ الطوسي في تفسيره الشريف"التبيان": [و قال (الطبري) : الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي (صلّىللّه عليه وآله) من وطنه و أهله مفارقا لأهل الشرك بالله إلى رسول الله (صلّىللّه عليه وآله) و غيرهم من تُبَّاع رسول الله (صلّىللّه عليه وآله) من الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم على أعدائهم و علموا أنه لا يخلف الميعاد بذلك، غير أنهم سألوا تعجيله و قالوا لا صبر لنا على أناتك و حلمك، وقوَّى (أي الطبري) ذلك بما بعد هذه الآية من قوله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر و أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا ... الآيات بعدها، (يقول الطوسي) و ذلك لا يليق إلا بما ذكره و لا يليق بالأقاويل الباقية و إلى هذا أومى البلخي لأنه قال في الآية الأخرى و التي قبلها (نزلت) في الذين هاجروا إلى النبي (صلّىللّه عليه وآله) ، ثم (نزلت) في جميع من سلك سبيلهم و اتبع آثارهم من المسلمين ... ] [1] [15] .
نسأل ثانية: من هم هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم أنهم هاجروا وأُخْرِجوا من ديارهم و أموالهم و أوذوا في سبيله و قاتلوا و قتلوا و أنه سيدخلهم جناته؟ إنهم نفس أولئك الذين يقول ذلك الحديث الكفر عنهم: ارتد الناس على أعقابهم كفارا إلا ثلاثة. أي قلب يؤمن بالله و رسوله و اليوم الآخر يمكنه أن يقبل بمثل هذا الكفر الصريح؟
10 ـ و الآية الكريمة: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله
(1) تفسير التبيان: ج 1 / ص 394 ـ 395. (مت)