فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 94

يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامَّة المسلمين، يتخذكم لجأً فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع. فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، و قد جئناك و نحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله، و إن كان الناس قد رأوا مكانك و مكان صاحبك? [1] [9] عنكم و على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا و منكم.

فقال عمر بن الخطَّاب: إي والله و أخرى، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لأنفسكم.

فحمد الله العباسُ و أثنى عليه و قال: إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا و للمؤمنين وليا، فمن على أمته به، حتى قبضه الله إليه و اختار له ما عنده، فخلَّى على المسلمين أمورهم ليختاروا لأنفسهم مضيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله فحقا أخذت، و إن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرضا و لا حللنا وسطا و لا برحنا سخطا، و إن كان هذا الأمر أنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك و مالوا إليك، و ما أبعد تسميتك بخليفة رسول الله من قولك خلَّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك، فأما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، و إن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، و على رِسْلِكَ، فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها. فخرجوا من عنده.

و كان فيمن تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، و قال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ و قال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، و علي معه قَصيّ، و قال:

بني هاشم لا تُطْمِعوا الناس فيكُمُ و لا سيما تَيْمَ بن مرَّةَ أو عديّ

ما الأمر إلا فيكم و إليكُمُ و ليس لها إلا أبو حسنٍ عليّ

أبا حسن، فاشدد بها كف حازمٍ فإنك بالأمر الذي يُرْتَجى مَلِيّ

و إنَّ أمرأً يرمي قصيٌّ وراءه ... عزيز الحمى، و الناس من غالب قصي

و كان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليًَّا فقال: هلمَّ أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. و اجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم اغدوا على هذا مُحَلِّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلا ثة نفر.

و بلغ أبا بكر و عمر أن جماعة من المهاجرين و الأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هموا على الدار، و خرج علي و معه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه وكسر سيفه، و دخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجنَّ أو لأكشفنَّ شعري و لأعجنَّ إلى الله! فخرجوا و خرج من كان في الدار و أقام القوم أياما. ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر و قيل أربعين يومًا )) [2] .

ثم يذكر"اليعقوبي"بعد ذلك فصلا في خلافة أبي بكر يشير فيه إلى أن الأنصار اعتزلوه أول الأمر، فغضبت لذلك قريش فتكلم خطباؤها، و قدِم عمرو بن العاص فقالت له قريش: قم فتكلم بكلام تنال فيه من الأنصار! ففعل ذلك، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم، ثم صار إلى علي، فأخبره وأنشده شعرا قاله، فخرج عليٌّ مغضبا حتى دخل المسجد، فذكر الأنصار بخير، و ردَّ على عمرو بن العاص قوله [3] [11] ، فلما علمت الأنصار ذلك سرها و قالت: ما نبالي بقول من قال مع حُسْنِ قول عليٍّ. ثم اجتمعت الأنصار إلى حسان بن ثابت فقالوا: أجب قريشا وسألوه أن يذكر و يمدح في شعره عليا ففعل [4] [12] .

أما الزبير بن بكار فيروي، في كتابه"الأخبار الموفقيات" (الصفحة 58) ، ندَمَ كثيرٍ من الأنصار على بيعتهم لأبي بكر على النحو التالي: (( حدثنا محمد بن موسى الأنصاري المعروف بابن مخرمة قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قال: لما بويع أبو بكر و استقر أمره ندم قوم كثيرٌ من الأنصار على بيعته و لامَ بعضهم بعضا و ذكروا علي بن أبي طالب و هتفوا باسمه و إنه في داره، فلم يخرج إليهم.(أي لم يؤيدهم في ذلك واستمر على بيعته لأبي بكر ) ) [5] [13] .

(1) بياض في الأصل

(2) تاريخ اليعقوبي: ج 2 / ص 82 (من طبعة عام 1375 هـ.)

(3) كما نلاحظ، كان علي عليه السلام محبا للأنصار محاميا عنهم، و لهذا مغزاه الكبير الذي سنشير إليه فيما بعد.

(4) المرجع السابق، الجزء الثاني، فصل أيام أبي بكر. (مت)

(5) نلاحظ أن حتى هؤلاء الأنصار النادمين على بيعتهم لأبي بكر و الراغبين بخلافة علي لم يشيروا أي إشارة إلى واقعة غدير خم، و هو ما سنبين مغزاه الكبير عن قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت