فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 94

فيما يلي نصها: [قال: حدثنا أحمد بن القاسم معنعنا: عن أبي خالد الواسطي قال: قال أبو هاشم الرماني ـ و هو قاسم بن كثير![1] ? ـ لزيد بن علي: يا أبا الحسين بأبي أنت و أمي هل كان علي صلوات الله عليه مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فضرب رأسه ورقَّ لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ثم رفع رأسه فقال: يا أبا هاشم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيا مرسلا فلم يكن أحد من الخلائق بمنزلته في شيء من الأشياء إلا أنه كان من الله للنبي قال: {ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا} و قال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء / 80) ، وكان في علي أشياء من رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم كان علي صلوات الله عليه من بعده إمام المسلمين في حلالهم وحرامهم و في السنة عن نبي الله و في كتاب الله، فما جاء به عليٌّ من الحلال والحرام أو من سنة أو من كتاب فرد الراد على علي و زعم أنه ليس من الله ولا رسوله كان الراد على عليٍّ كافرا، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله على ذلك شهيدا، ثم كان الحسن و الحسين فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم و لا كان القول من رسول الله فيهما ما قال في علي غير أنه قال:"سيدي شباب أهل الجنة"فهما كما سمى رسول الله كانا إمامي المسلمين أيهما أخذت منه حلالك و حرامك و بيعتك فلم يزالا كذلك حتى قُبِضا شهيدين، ثم كنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم من بعدهما ولدهما ولد الحسن والحسين، فوالله ما ادعى أحد منا منزلتهما من رسول الله و لا كان القول من رسول الله فينا ما قال في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن و الحسين عليهم السلام، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحق مودتنا وموالاتنا و نصرتنا على كل مسلم، غير أنا أئمتكم في حلالكم و حرامكم يحق علينا أن نجتهد لكم و يحق عليكم أن لا تدعوا أمرنا من دوننا، فوالله ما ادعاها أحد منا لا من ولد الحسن و لا من ولد الحسين أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين. فوالله ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه الله إليه و ما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه الله إليه فما ادعاها ابن أخي من بعده لا والله ولكنكم قوم تكذبون.

فالإمام يا أبا هاشم منا المفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين: الخارج بسيفه، الداعي إلى كتاب الله و سنة نبيه، الظاهر على ذلك، الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا و على جميع المسلمين متكئ فراشه مرجئ على حجته مغلق عنه أبوابه يجري عليه أحكام الظلمة فإنا لا نعرف هذا يا أبا هاشم.] [2] [3] .

هذا هو الكلام المتين و البرهان المبين الذي تفضل به جناب زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الذي يرى أن عليا إنما هو إمام المسلمين في بيان أحكام الإسلام من الحلال و الحرام، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ذلك كله (بالإضافة لما اختصه الله تعالى به من فهم متميز خاص للقرآن و فقهه) فما بينه من أحكام الشريعة وجب على المسلمين الأخذ به، و نجد هذا واضحا في تاريخ الخلفاء الراشدين سيما أبي بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه اللذان كانا يرجعان إليه ويستفسران رأيه في كل مسألة عويصة تعرض عليهما فلا يعدلان عن رأيه أبدا فكانا يعتبرانه إماما لهما في العلم و الدين إلى الحد الذي اشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه قال في أكثر من سبعين موردا: [لولا علي لهلك عمر] و كان كثيرا ما يقول: [لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن!] [3] [4] ، و في نظر جناب زيد أن الحسن والحسين أيضا كانا إمامين طوال مدة حياتهما بمعنى كون كل منهما قدوة ومرجع للناس في بيان الحلال و الحرام، و كذلك كان كل واحد من علماء أهل البيت: سواء علي بن الحسين (زين العابدين) أم الحسن بن الحسن أم محمد بن علي (الباقر) أم عبد الله بن الحسن بن الحسن (الكامل) أم زيد بن علي أم محمد بن عبد الله (النفس الزكية) ، إماما و مرجعا للناس في عصره في الإرشاد و بيان الأحكام، وهذا هو المعنى الصحيح لحديث الثقلين: [إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي] ، و بهذا المنطق فقط يمكن حل جميع الاختلافات الدينية بين المسلمين وإعادة المياه إلى مجاريها و تحويل العداوة و البغضاء إلى الأخوَّة و الاتفاق، لا بسبِّ أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم لخلفاء أو سب و اتهام سائر الفرق الإسلامية! لأنني لا أتصور أنه يوجد بين المسلمين أحد ممن يرجو النجاة لنفسه من عقبات يوم القيامة مّنْ يرفض هذا المنطق ـ إلا من كان في قلبه مرض أو غرض ـ، فمَن مِن المسلمين يمكنه أن ينكر فضائل علي عليه السلام مع كل تلك الأحاديث النبوية التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طوال مدة حياته في حقه؟ من الذي يمكنه أن ينكر جهاد ذلك الإمام الهمام و سيرته التي كلها تضحيات في سبيل نصرة الإسلام و اعلاء كلمته؟ في حين أنه لا توجد مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية إلا و كان لعلي دور مؤثر في تقدمها و علو شأنها، و إن سيرته العطرة مليئة بالمواقف البطولية الخالدة و الأعمال العظيمة المحيرة، والقطرات التي بقيت من بحر علمه في عرضه لحقائق تعاليم الإسلام للناس، تعتبر لوحدها محيطات لا حد لها يمكن ليس لأمة الإسلام فحسب بل للمجتمع البشري أن يفخر بها و يتخذها نبراسا لحياته يسير على ضوئها لأجل تحقيق سعادة الدنيا و الآخرة، فإذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثني عليه و يبين رفيع مقامه في كل مناسبة ومقام و يعرِّفه للمسلمين كرمز للعلم

(1) أبو هاشم الرماني الواسطي اسمه يحيى توفي سنة 122 و قيل 145، و أما قاسم بن كثير فكنيته أبو هاشم ونسبته الخارفي الهمداني بياع السابري روى عنه سفيان الثوري، لهما ترجمة في التهذيب و هما ثقتان (مت)

(2) تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (و هو من أعلام الغيبة الصغرى و معاصر للمحدث الكليني و الحافظ ابن عقدة، قيل أنه كان زيديا) ص 474 ـ 475 (من الطبعة التي حققها محمد كاظم، طبع طهران،1410 هـ / 1990) . (مت)

(3) كان علي من الناصحين للخليفتين ابي بكر و عمر و كانا يعملان بمشورته، فمن ذلك أخذ أبي بكر برأي علي في موضوع مبدأ التأريخ الإسلامي بهجرة النبي (ص) ، كماأن عمر عمل بنصح و مشورة علي له في موضوع شخوصه لحرب الفرس و حرب الروم (انظر نهج البلاغة، الخطبتين: 134، و 146) . و لو رجعنا إلى كتاب مسند زيد بن علي عليهما السلام لوجدنا عددا من الروايات يقر فيها الخليفة الثاني بأن عليا أعلم منه و يرجع إليه في حل كثير من الأمور، بل يحتاط في الإجابة على سؤال رغم أنه سمع جواب مثله من النبي (ص) بنفسه و لكنه مع ذلك يعهد بالإجابة عن السؤال إلى علي (ع) . (انظر مثلا الحديث السادس في باب الحيض و الاستحاضة، من كتاب الطهارة، و الحديث الثالث في باب جزاء الصيد من كتاب الحج) (برقعي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت