فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 94

فكيف بهذا و المُشيرون غُيَّبُ؟

وإن كنت بالقربى حججت خصمهم

فغيرك بالنبي أولى و أقربُ

و ورد في كتاب إثبات الوصية للمؤرخ المسعودي، كما ذكره المجلسي في بحار الأنوار (ج 8 / ص 58) ، ما يلي: [و اتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله و تحنيطه و تكفينه و تجهيزه ودفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان وأبي ذر و المقداد وعمار و حذيفة و أبي بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا، فقام خطيبا: فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها و إن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم! ثم اعتزل الناس و دخل بيته.] و بناء عليه فإما أن تكون القرابة هي المعيار فعليٌّ أقرب القوم إلى النبي. و إما ألا تكون، فإذن ادعاء الأنصار، في منطق أمير المؤمنين عليه السلام، ادعاء في محله لأن الوطن وطنهم و دين الإسلام إنما قوي و ارتفعت رايته بدارهم و بفضل إيوائهم و نصرتهم له بالأنفس و الأموال.

و هذه الحجة أيضا نشاهدها في منطق شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ـ حسبما تنقله كتب الشيعة ـ كما مر معنا في احتجاج عمار على أبي بكر حيث قال: [إن أهل بيت نبيكم أولى به و أحق بإرثه ... و قد علمتم أن بني هاشم أحق بهذا الأمر فيكم!] .

هذا و لكن لما كانت مسألة التعصب العشائري و القبائلي و القومية والعرقية من آثار الجاهلية التي أبطلها الإسلام كما سيأتي شرحه إن شاء الله، لذا لا مجال في الإسلام للحكم الوراثي و العائلي، فكل ادعاء من هذا النوع ادعاء في غير محله ولا يؤيده العقل و لا النقل بل هو مخالف بكل صراحة لتعاليم الإسلام. [1] [5]

ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذريته

لم يأت أبدا في أقوال أولئك الذين عرفوا بالتقوى و العلم و الفضل من بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبناء أعمامه و أحفاده وذريته، مثل هذا الادعاء بأن عليا عليه السلام قد نُصِبَ إماما على الأمة من قِبَلِ الله تعالى ورسوله، فقد مر معنا قول الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام: [لو كان النبي أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، (ثم أضاف) : أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليا لأجل هذا الأمر و لم يُقْدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأ] .

و مر أيضا قول أمير المؤمنين نفسه، حسبما أورده المسعودي في كتابه"إثبات الوصية"، أنه ?، لما سمع أن الناس بايعوا أبا بكر رضي الله عنه قال: [إن تكن الإمامة في قريش فأنا أحق قريش و إن لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم] ، و اعتزل الناس دون أن يذكر أي بيان أو احتجاج آخر! فهل وظيفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى و رسوله هي أن يذهب و يعتزل في بيته دون أن يقوم بأي دعوة أو مطالبة؟! و كما ذكرنا في رواية قيس بن عباد أن حضرة علي قال: [والذي فلق الحبة و برأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه و لم أترك ابن أبي قحافة يرقى رجة واحدة من منبره!] .

و أورد الكشي في رجاله (ص 164 من طبعة النجف) قصة نقاشٍ وقع بين مؤمن الطاق و زيد بن علي يدل على أنه لم يكن في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بشيء اسمه الإمامة المنصوص عليها من الله، قال: [إن مؤمن الطاق قيل له: ما جرى بينك و بين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي! بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة! قال: قلت نعم، و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال (أي زيد) : و كيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبرِّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة و لا يشفق علي من حر النار؟؟] [2] [1] ، أي أن زيدا رضي الله عنه يؤكد أن والده لم يخبره بموضوع وجود إمام مفترض الطاعة من الله! مما يفيد أن زيدا كان يرى في علي إماما في الحلال و الحرام فحسب، أي أنه إذا قضى بشيء من أحكام الشرع كان ذلك حجة يجب على المؤمنين العمل بها باعتباره كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحكام الحلال و الحرام.

و هذا المعنى جاء أيضا في رواية طويلة أوردها فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره (ص 181 طبع النجف)

(1) لو تأملنا كلام هذا الإمام الهمام بعمق ـ بعيدا عن أي تعصب طائفي ـ لأدركنا أنه عليه السلام لم يرد من كلامه تقرير مبدأ كون القرابة و الوراثة هي الأصل في موضوع تعيين الحاكم و الخليفة، بقدر ما أراد ـ كما سبق و أوضحناه ـ أن يرد على حجة المهاجرين و يبين أن طريقتهم العجولة في نصب الإمام ـ قبل اكتمال مجلس أهل الحل و العقد ـ لم تكن بالطريقة الصحيحة و السليمة، فكأنه أراد أن يقول إذا كانت مجرد القرشية والقرابة من الرسول هي المعيار في تعيين الإمام فلقد كنت أولى الناس بذلك لأنني علاوة على كوني من قريش و من بني هاشم: أسرة النبي وأشرف بطون قريش و أكرم من بني تيم بن مرة، فإن لي إلى رسول الله (صلىلله عليه وآله وسلم) قرابة نسبية و سببية و كنت أقرب الناس إليه: ربيت في حجره منذ نعومة أظفاري و تعلمت و تربيت على يديه منذ صغري، فإذا كان الهدف من الشجرة هو ثمرتها فكيف احتج المهاجرون بأنهم شجرة النبي و اضاعوا ثمرة هذه الشجرة؟! و أما حديث"الأئمة من قريش"فمعناه أن الإمام سيكون من قريش و ليس معناه أن القرشيين فقط لهم الحق في تعيين الخليفة دون سائر أهل الحل و العقد من المسلمين لا سيما الأنصار، كما أنني أنا من قريش أيضا فلماذا لم أُستَشَر في الأمر و تم دوني؟!

فهدف الإمام من اعتراضه ذاك هو ـ في الحقيقة ـ بيان أن تعيين الخليفة ينبغي ألا يتم إلا بتشاور ورضا جميع أهل الحل و العقد من كبار و وجهاء المسلمين لا أن يفتأت البعض بالأمر بسرعة دون مشورة وحضور البقية. ( x)

(2) رجال الكشي، ص 164 (طبعة النجف) . أو اختيار معرفة الرجال، طبعة مشهد: ص 187، الحديث 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت