أقول: لا يوجد لرجال سند هذا الحديث بدءًا من"سعيد بن محمد بن نصر القطان"إلى"أبي نصرة"، ذكر في كتب الرجال! و لا ندري من أين جاء المرحوم الصدوق بهؤلاء الرواة و عمن أخذ و من أين روى هذه الرواية؟! و لكن محقق كتاب إكمال النعمة للصدوق ذكر في الحاشية أن أبا بصرة: إذا كان نفس أبا بصرة محمد بن قيس الأسدي فقد ضعَّفه الشهيد الثاني في كتابه الدراية و قال عنه: [كلما كان فيه محمد بن قيس عن أبي جعفر فهو مردود] ، لكنه قطعا ليس محمد بن قيس هذا و لو كان هو فهذا الحديث منسوب إليه كذبا. و في حاشية الكتاب نفسه قال إذا كان هو أبا بصرة فاسمه حُميل بضم الحاء، و أيا كان فهو مجهول.
لكنني أقول أن متن الحديث مفتضح الكذب إلى درجة لا نحتاج معها للبحث في صحة أو سقم سنده، فالراوي المجهول الهوية أبو بصرة يبتأ حديثه بقوله: [لما احتضر أبو جعفر محمد بن علي الباقر عند الوفاة] ، هذا في حين أن وفاة الإمام محمد الباقر عليه السلام وقعت، طبقا لكل التواريخ، فيما بين السنة 114 إلى 118هـ. [1] [3]
أما وفاة"جابر بن عبد الله الأنصاري"فذكرتها التواريخ بين 73 إلى 77 هـ. [2] [4]
فهذا يعني أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه توفي قبل أربعين سنة من وفاة الإمام الباقر عليه السلام. أفلم يوجد من يقول لهذا الكذاب الوضاع: كيف أحييت جابرا وجئت به ـ بعد أن مات في قبره منذ أربعين سنة ـ لمحضر الإمام الباقر، حين أدركته الوفاة، لتنسب إليه إقناعه زيدَ بن علي أن لا يطلب من أخيه الباقر الإمامة، بشهادته برؤية اللوح الذي ذكرت فيه أسماء الأئمة الاثني عشر و أسماء أمهاتهم كذلك؟!!
لننظر الآن في تاريخ وفاة زيد أيضا: 1ـ يقول الشيخ الطوسي في رجاله (ص 195) : [قُتِلَ سنة إحدى و عشرين و مائة و له اثنتان و أربعون سنة] مما يعني أن جناب زيد ولد سنة 79 أو80 هـ. 2ـ بل في تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر: (ج6/ص18) ذكرت ولادة زيد بن علي بن الحسين سنة 78 هـ. فهذا يعني أن زيدا ولد بعد أربع سنوات أو على أقل تقدير بعد سنة من وفاة جابر بن عبد الله!! فكيف تسنَّى لجابر أن يأتي ويقنعه بالأئمة المنصوص عليهم؟! والعجيب المحير أن هذا الحديث رغم افتضاح كذبه إلى هذه الدرجة ـ و كما قال الشهيد الثاني: أكذب الحديث ما كذبه التاريخ ـ أورده أكثر علماء الشيعة الإمامية في إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر و النص عليهم دون أن يتعرض أحدهم أو ينتبه لهذا العيب الكبير في متنه، أو انتبه لذلك و لكن التعصب الأعمى و تقليد الآباء حمله على السكوت.
و الأعجب من ذلك أن العيب الوحيد الذي أخذه المرحوم الصدوق على هذا الحديث هو قوله بعد روايته: [قال مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم و الذي اذهب إليه ما روي في النهي عن تسمية القائم!!] ، حقا ينطبق عليه المثل بأنه يرى القذة في العين و لا يرى الخشبة فيها!
هذا و لما كان كذب الحديث واضحا جدا بشهادة التاريخ لم نتعرض لنقد متنه المليء بالعيوب الأخرى: أ ـ كقوله أن جابر دخل على فاطمة ليهنئها بولادة الحسن مع أنه لم يكن من عادة المسلمين في ذلك العهد الدخول على أم الوليد لتهنئتها بالولادة، بالإضافة إلى أن جابرا لم يكن عمره، عند ولادة الحسن، يتجاوز ال 16 أو 17 سنة، و لما كانت ولادة الحسن في السنة الثالثة للهجرة فإن جابرا لم يكن قد تزوج بعد، لأنه إنما تزوج من أرملة ثيب بعد شهادة أبيه في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة، فكيف يمكن لشاب في ريعان الشباب أن يدخل على فاطمة الشابة مثله، لا سيما أن متن الحديث لا يشير إلى أنه كان هناك أحد معها في البيت، خاصة أن قراءة اللوح، و هو بيد الزهراء، يحتاج لاقتراب شديد منها، وهذا أمر بعيد جدا أن تسمح به الزهراء عليها السلام التي أُثِرَ عنها قولها: خير للرجال أن لا يروا النساء و خير للنساء أن لا يرين الرجال!
ب ـ عدد من أسماء أمهات الأئمة خطأ، مثلا في كتاب إثبات الوصية، عن جابر نفسه، أن أم حضرة علي بن الحسين زين العابدين جهان شاه، أما هنا فذكر أنها شهربانو، و هناك قال أن اسم أم حضرة الإمام الرضا تكتُّم، و هنا نجمة! هذا بالإضافة إلى عيب آخر و هو أن فاطمة قالت أن في هذا اللوح أسماء الأئمة من ولدي، في حين أن في اللوح اسم النبي و اسم علي و هما ليسا من أولادها! والحاصل أن هذا الحديث من أكذب الأكاذيب و لا يسعنا إلا أن نقول فيه:"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا"ألا لعنة الله على الكذَّابين الوضَّاعين الذين فرقوا أمة الإسلام و بلبلوها بهذه الأحاديث الكاذبة.
(1) يُراجَع للتأكد من ذلك الكتب التالية: 1ـ المقالات و الفرق لسعد بن عبد الله الأشعري: ص 72. 2ـ فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي: ص 82، حيث يذكر الكتابان أن سنة وفاته هي 117 هـ. 3ـ وفيات الأعيان لابن خلِّكان: ج4/ص170. 4ـ بحار الأنوار للمجلسي: ج 14/ ص 44 (من طبعة تبريز القديمة) . 5ـ تاريخ اليعقوبي: ص 52 (طبعة بيروت لعام 1375هـ) . 6ـ منتهى الآمال (في مصائب النبي و الآل) لعباس القمي، (بالفارسية) : ص 122 (طبع العلمي) 7ـ الإصابة في تمييز الصحابة: ج1/ص215.
(2) انظر: 1ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ج1/ص213. 2ـ أسد الغابة لابن الأثير: ج1/ص258. 3ـ التهذيب ج9/ص 77 (طبع النجف) . 4ـ تتمة المنتهى: ص 69. 5ـ الإصابة: ج1/ص215.