فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 94

لاستحال أن يتكلم بعد ذلك أحد من الأنصار المحبين لعلي في موضوع نصب الخليفة أو يسعى لنيل هذا المقام! و لاستحال أن يرشح سعد بن عبادة رضي الله عنه ـ الذي كان من الأوفياء المخلصين و المجاهدين بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله ـ نفسه لهذا الأمر، ثم يأتي أبو بكر و عمر و أبو عبيدة (رضي الله عنهم) و يَجُرُّوا البساط من تحت الأنصار وينتزعوا الخلافة من غاصبيها الأولين ليصيروا غاصبيها الثانين!! ثم لا ينبري أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين حضروا بيعة غدير خم و كان عددهم (كما يقولون) يزيد على المائة ألف، ليصيح بأهل السقيفة: ويحكم! أيها الناس الذين لا دين لهم و لا حياء!! يا أراذل البشر و أجبنهم و أخونهم و ... و ... !! ألم تبايعوا عليا بالخلافة منذ سبعين يوم فقط و جعلتموه إماما عليكم وخاطبتموه بأمير المؤمنين؟؟ و أنشد شاعركم حسان بن ثابت في ذلك قصيدته؟! فما هذه المهزلة و السخرية التي قمتم بها؟؟!!

إن مثل هذا لم يحصل في تاريخ البشر و لا يمكن أن يحصل أبدا، أي أن يبايع جمٌّ غفير يربو على المائة ألف، رجلا بالإمامة، و يعطوه على ذلك العهد والميثاق، سواء طائعين مختارين أم مكرهين مجبرين، ثم في خلال سبعين أو ثمانين يوما فقط ينسون جميعا تلك البيعة التي في أعناقهم أو يجتمعون بأجمعهم على كتمانها وكأنها شيئا لم يكن؟!! هذا مع كونهم يظهرون عبارات الغدير في سائر مواقفهم الأخرى بكل احترام و يلتزمون بها!!! [1] [2] إن مثل هذا الأمر يستحيل وقوعه ليس في عالم الدنيا فحسب بل حتى في عالم الرؤيا و الخيال، فضلا عن أن يقوم به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين مدحهم القرآن و شهد لهم تاريخ الإسلام بالإخلاص و التضحية بالنفس و المال في سبيل إعلاء كلمة هذا الدين و نشره.

و يتابع الطبرسي روايته فيقول: [قال علي (مجيبا الأنصار) : يا هؤلاء أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه و أخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسمو له و ينازعنا أهل البيت و يستحل ما استحللتموه، و لا علمت أن رسول الله ترك يوم غدير خم لأحد حجة و لا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره واخذل من خذله، أن يشهد بما سمع] [2] [3] .

قلت: في مثل هذا المقام، لو كانت قصة الغدير نصا حقا على خلافة وإمامة علي، لكان كلام علي هنا (وهو أمير الفصاحة و البيان) ناقصا وغير مبين للمراد! لأن كل ما ذكره أنه أراد أن يقوم رجل واحد فقط ـ من بين جماعة كان يربو عددهم على المائة ألف سمعوا و فهموا و سلَّموا وبايعوا ـ ليشهد بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال من كان يحبني و يتولاني فليحب عليا و ليتولاه، اللهم أحب وكنْ نصير من أحبه و نصره و عاد و اخذل من عاداه و خذله! حيث ذكرنا سابقا أن لكلمة"مولى"27 معنى و أنه لا بد من قرينة لفهم المعنى المراد و أن قوله (صلى الله عليه وآله) اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه، قرينة على أن المراد من المولى معنى النصير المحب، و أيا كان فليس في معاني المولى معنى الخليفة و الإمام! فإذا لم يفهم الناس من تلك الخطبة معنى الخلافة و الإمامة فعندهم كل الحق في ذلك! خصوصا مع وجود القرينة المذكورة. و علاوة على ذلك فإن نسق الحديث يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد من كلمة المولى معنى هو حائز عليه الآن ويريد أن يجعل عليا حائزا عليه الآن أيضا (لأنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه) ، و الأمر الذي كان الرسول (صلى الله عليه وآله) متصفا به هو النبوة و الرسالة وبديهي أنه لا يريد أن يكون علي أيضا حائزا على هذه المرتبة لا ذلك الوقت و لا بعد وفاته، و إذا قصد بالمولى الخلافة فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن خليفة لأحد حتى يريد جعل الخلافة لعلي أيضا، و لو سلمنا جدلا أن المقصود من المولى الإمامة والرئاسة لوجب أن يقول النبي من كنت مولاه فإن عليا مولاه بعدي، لأنه لا يمكن أن يكون علي رئيسا حاكما على المسلمين في حال رئاسة النبي (صلى الله عليه وآله) وحكومته، لكن مثل هذه الإضافة لم يدع أحد صدورها عن النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث. لذلك قلنا أن مطالبة علي بمثل هذه الشهادة في ذلك المقام ـ إن صحت ـ ليست في محلها و لا تؤدي المراد. و نحن نقطع في الواقع أن هذه المطالبة ليست إلا من اختلاق و وضع الرواة الكذبة و لا ربط لعلي بها أصلا.

و يتابع صاحب كتاب الاحتجاج روايته فيقول: [قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر بدريا بذلك. و كنت ممن سمع القول من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عَلَيَّ فذهب بصري] [3] [4] .

قلتُ: هذا الحديث كله رواه الطبرسي عن"أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني"عن رجال ثقة! و لا يعلم أحد من هؤلاء الرجال الثقة؟! أما محمد بن عبد الله الشيباني فقد ذكره النجاشي في رجاله (ص 309) وقال: [أصله كوفي ورأيت جلّ أصحابنا يضعِّفونه] و قال القهبائي في"مجمع الرجال" (ج 5 / ص 241) : [محمد بن عبد الله الشيباني أبو الفضل: وضاع كثير المناكير] وقال عنه الشيخ الطوسي في كتابه"الفهرست": [ضعَّفه جماعة من أصحابنا] ، و في كتاب الأخبار الدخيلة (ص 48) عن الغضائري: [إنه كذاب وضاع للحديث] ، هذا من ناحية السند.

(1) من ذلك ما ينقله العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه"الغدير"فيقول: (( أخرج احافظ ابن السمان كما في الرياض النضرة ج2/ص170، و ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 68، و وسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكي، ومناقب الخوارزمي ص 97، و الصواعق ص 107 عن الحافظ الدارقطني عن عُمَرَ و قد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: إقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر و أخذ بتلبيبه و قال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاي و مولى كل مؤمن، و من لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

و عنه نازعه رجل في مسألة فقال: بيني و بينك هذا الجالس، و أشار إلى علي بن أبي طالب، فقال الرجل: هذا الأبطن؟ فنهض عمر عن مجلسه و أخذ بتلبيبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغَّرت؟ هذا مولاي و مولى كل مسلم.

و في الفتوحات الإسلامية ج2 / ص 307: حكم علي مرة على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه فتلبَّبه عمر بن الخطاب و قال له: ويلك إنه مولاك ومولى كل مؤمن و مؤمنة. و أخرج الطبراني أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعليٍّ ـ أي من التعظيم ـ شيئا لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي (ص) فقال: إنه مولاي. وذكره الزرقاني في شرح المواهب ص 13 عن الدارقطني. )) انتهى من"الغدير"ج1 / ص 382 ـ 383. ( x)

(2) المصدر السابق ج 1 / ص 184 (مت)

(3) المصدر السابق ج 1 / ص 185، هذا و يجدر أن نذكر أننا سبق و أشرنا إلى أن الروايات متضاربة بشأن شهادة أو عدم شهادة زيد بن أرقم فهناك عدة روايات لا تذكر عنه أنه لم يشهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت