فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 94

ثم إن زيد بن أرقم لم يكن ممن تسمع شهادتهم في ذلك الوقت، و لا طلب أمير المؤمنين منه هذه الشهادة في ذلك الوقت بل طلبها في رحبة الكوفة زمن خلافته عليه السلام كما جاء ذكر ذلك في بحار الأنوار (ج 22 / ص 23) .

اما الاثنا عشر بدريا الذين تقول رواية الطبرسي هذه أنهم شهدوا بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، فيبدو أنهم نفس الاثني عشرالذين ذكرهم الطبرسي في روايته، التالية مباشرة لهذه الرواية، و التي يرويها الطبرسي من غير سند (!) بل مرسلة عن أبان بن تغلب أنه سأل حضرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام فقال: [قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلىلله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلىلله عليه وآله؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلا، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، و كان من بني أمية، و سلمان الفارسي و أبوذر الغفاري و المقداد بن الأسود وعمار بن ياسر و بريدة الأسلمي، و من الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان و سهل و عثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب و أبو أيوب الأنصاري. قال (أي الإمام جعفر الصادق) : فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض والله لنأتينَّه و لننزلنَّه عن منبر رسول الله صلىلله عليه وآله[1] [5] ، و قال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذن أعنتم على أنفسكم و قد قال الله عز وجل:"و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"فانطلِقوا بنا إلى أمير المؤمنين (أي علي) لنستشيره و نستطلع رأيه].

ثم يذكر الراوي أن عليا لم يوافقهم على ما أرادوا فعله لما فيه من تهديد حياته بالقتل و قال لهم في آخر كلامه: [فانطلِقوا بأجمعكم إلى الرجل (أي أبو بكر) فعرِّفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة و أبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله (صلىلله عليه وآله) إذا وردوا عليه! قال: فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله (صلىلله عليه وآله) و كان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار تقدموا و تكلموا، فقال الأنصار بل تكلموا أنتم] [2] [6]

و يستقر الاختيار على خالد بن سعيد بن العاص (و الحال أن خالد بن سعيد هذا إنما كان قد أسلم بفضل دعوة و إرشاد أبي بكر رضي الله عنه فكانت هدايته للإسلام على يده، اشترك في زمان خلافة أبي بكر ? و بأمرٍ منه في معركة"أجنادين"و استشهد فيها و كان ذلك قبل 24 يوما من وفاة أبي بكر) فيقوم خالد فيعظ أبا بكر رضي الله عنه و يذكّره، لكنه لا يذكر في كلامه شيئا عن غدير خم، بل يذكر حادثة و كلاما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي يوم بني قريظة ليس له ذكر في أي من التواريخ المتقدمة! و الأغرب من ذلك ما ذكره الراوي من أن عمر رض الله عنه قام فقال: [اسكت يا خالد! فلست من أهل المشورة و لا ممَّن يُقْتَدى برأيه!] ، هذا مع أن خالد بن سعيد لا ينقصه شيء عن عمر رضي الله عنه حتى يخاطبه عمر رضي الله عنه بهذه الصورة و يقول له لست من أهل المشورة، دون أن يعترض خالد و لا غيره على ذلك!! إذ لو كانت الأفضلية بالسبق إلى الإسلام فخالد بن سعيد خامس رجل أسلم فكان إسلامه قبل عمر رضي الله عنه بعدة سنوات، و كان من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، و شهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الغزوات، و أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) قُبيل وفاته إلى اليمن و عيَّنه حاكما على قبيلة مذحج في قسمٍ من اليمن، و لا ندري كيف أتى به الراوي الكذّاب من اليمن إلى المدينة و جعله أول من تكلم معترضا على أبي بكر!! .. و على أي حال فلم يأت في كلام خالد أي ذكر لحديث الغدير مع كونه أهم مستند للخلافة المنصوص عليها، بل كل ما كان في احتجاجه هو سباب و شتائم لعمر رضي الله عنه حتى أنه قال له: [و إنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها و ذلك جزاء الظالمين!] [3] [7] .

و كل مطلع على تاريخ صدر الإسلام يعلم يقينا كذب مثل هذه الأقاويل. ثم كان سلمان الفارسي ثاني من تكلم من المهاجرين و لم يشر في كلامه أيضا لمسألة النص على عليٍّ يوم الغدير بل اقتصر كلامه على ذكر بعض فضائل علي و تذكير أبي بكر بأنه كان عليه النفوذ في جيش أسامة بن زيد [4] [8] ... أما المحتج الثالث فكان أبا ذر الذي لم يشر كذلك لا من قريب و لا بعيد للغدير، وكذلك فعل الذي بعده أي المقداد بن الأسود [5] [9] ثم بريدة الأسلمي و كان عمار بن ياسر آخر من تكلم من المهاجرين و اقتصر كلامه على تخويف أبي بكر عاقبة فعله وتذكيره بفضائل أهل البيت حيث قال: [و إن أهل بيت نبيكم أولى و أحق بإرثه و ... (إلى قوله) فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم .. ] ثم ذكر عددا من فضائل علي.

ثم جاء دور الأنصار فكان أول من تكلم منهم أبي بن كعب الذي أنَّب أبا بكر دون أن يأتي في كلامه بأي إشارة لغدير خم، و تكلم بعده خزيمة بن ثابت فاقتصر كلامه على ذكر فضائل أهل البيت، و كان المتكلم الثالث أبو الهيثم بن التيهان و كان أول من أشار لمسألة الغدير، لكن الذي يُفهم من كلامه أن خطبة الغدير كانت غامضة فحصل خلاف بين الصحابة في فهم معناها، حيث يقول الراوي: [فقالت الأنصار: ما أقامه للخلافة، و قال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم

(1) من المفروض ـ حسب حديث ارتد الناس إلا ثلاثة أن يكون سائر هؤلاء الاثني عشر ـ ما عدا سلمان و أبو ذر و المقداد ثم عمار ـ في عداد المرتدين!! و لكنهم هنا في هذه الرواية يقسمون بالله على أنهم سينزلون أبا بكر عن منبر الرسول أي أنهم غير قابلين ببيعته بل يعتقدون بخلافة علي و أدوا الشهادة بذلك، فأي الروايات نقبل: رواية أنهم مرتدون أم رواية أنهم ثابتون مؤمنون؟؟! أم أنها أكاذيب و حبل الكذب قصير!! ( x)

(2) الاحتجاج: ج1 / ص 186 ـ 187 (مت)

(3) المصدر السابق: ج1 / ص 191 ـ 192 (مت)

(4) في الواقع إن أبا بكر ـ مثله مثل علي (ع) ـ لم يكن مأمورا من قبل النبي (ص) بالانضمام لجيش إسامة. يقول ابن كثير في السيرة النبوية (ج4 / ص 441) : (( و من قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط! فإن رسول الله(ص) اشتد به المرض و جيش اسامة مخيم بالجرف و قد أمر النبي (ص) أبا بكر أن يصلي بالناس، كما سيأتي، فكيف يكون في الجيش؟! )). ثم ذكر في الصفحات 459 فما بعد الروايات العديدة التي تدل على أمر النبي (ص) أبا بكر أن يؤم الناس في الصلاة. ( x)

(5) عرفنا مما سبق أن المقداد لم يكن يعتقد بالنص الإلهي على علي (ع) . و لكن الراوي الساذج اختاره ليجعله من ضمن المعترضين على أبي بكر. ( x)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت