الناس أنه مولى من كان رسول الله صلىلله عليه وآله مولاه، و كثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم عليٌّ ولي المؤمنين بعدي و أنصح الناس لأمتي .. ]. وهنا أيضا لا نرى كلاما صريحا في الخلافة و النص على علي بالحكومة والإمارة بأمر من الله عز وجل، بل إن دل كلام الراوي على شيء فإنه يدل على إثباته النقص و القصور في بيان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) (حاشاه من ذلك) [1] [10] .
أما الإشكال الأكبر من هذا، في هذه الرواية، فهو أن التواريخ تؤكد أن"أبا عمارة خزيمة بن ثابت الأوسي، ذي الشهادتين"و"أبا الهيثم مالك بن التيهان الأوسي"رغم كونهما من أنصار و مؤيدي علي عليه السلام، لم يكونا قطعا من المعتقدين بالنص النبوي الإلهي على إمارته. ينقل"أحمد بن يحيى البلاذري"في كتابه"أنساب الأشراف"الذي يعد من أقدم التواريخ الإسلامية، أن هذان الشخصان كانا مترددين حتى في القتال إلى جانب علي في حربه مع معاوية، مع وضوح عدم حقانية معاوية و بغيه فيها!، و بقوا مترددين في المشاركة مع علي في القتال إلى أن استشهد ـ في صف علي ـ عمار بن ياسر رضي الله عنه عند ذلك وضح الحق لهما، فخاضا الحرب بكل إخلاص إلى جانب علي عليه السلام و استشهدا في نصرته! قال البلاذري: (( عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة الجمل فلم يسل سيفا و شهد صفين فقال لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، قال: فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد بانت الضلالة فقاتل حتى قتل ) ) [2] [11] . و يروي الكشي في كتابه الرجال (ص 51) نقلا عن محمد بن عمار بن خزيمة أيضا: (( ما زال جدي بسلاحه يوم الجمل و صفين، حتى قتل عمار،(فعند ذلك) سلَّ سيفه حتى قُتِل )). وكذلك ذكر"البلاذري"في"أنساب الأشراف"عن أبي الهيثم: (( حضر أبو الهيثم بن التيهان الصفين، لما رأى عمارا قد قتل، قاتل حتى قُتِل، فصلى عليه علي و دفنه ) ) [3] [12] .
و لذلك فقد كان اختيار واضع رواية الاحتجاج لهاتين الشخصيتين لأداء ذلك الدور الذي نسبه لهما اختيارا غير موفق و غير خبير!!
ثم تذكر رواية الاحتجاج أن المعترض الرابع كان سهل بن حنيف الذي قام و شهد أنه رأى رسول الله صلىلله عليه وآله في هذا المكان (يعني روضة المسجد النبوي) و قد أخذ بيد علي و قال: [أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي و وصيي في حياتي وبعد وفاتي .. ] و لكنه لم يشر لموضوع الغدير، و قام بعده أخوه عثمان بن حنيف فقال: [سمعنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم و قدموهم فهم الولاة من بعدي] ، و كان آخر المتكلمين أبو أيوب الأنصاري الذي بدأ كلامه قائلا: [اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ارددوا إليهم حقهم ... ] ثم ذكر فضيلة لأهل البيت و لعلي دون أن يأت بأي ذكر لقضية غدير خم. [4] [13]
رغم أن متن هذا الحديث يكفي للحكم بوضعه، لكننا سنفرض جدلا أنه صحيح و أن هذا الاعتراض من أولئك الاثني عشر قد تم فعلا بالصورة المذكورة، فلنا أن نسأل: لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص صراحة على خلافة و إمارة علي في غدير خم و أخذ له البيعة من الناس، ألم يكن من المنطقي أن يذكر أولئك المعترضون هذا الأمر قبل أي شيء آخر باعتباره أوضح دليل و أقطع حجة على أن الخليفة الحق هو علي و لا يمكن أن يكون غيره؟؟ أليس عدم ذكرهم لذلك يؤكد ما قلناه من أن قضية غدير خم لم تكن أبدا نصا على علي بالخلافة بل كل ما في الأمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خشي من عداوة بعض المسلمين لعلي، فأراد أن يبين للمسلمين وجوب محبته؟ بل يمكن القول أن هذا الحديث من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يشير إلى أن النبي نُبِّئ بما سيلقاه عليٌّ في عهد خلافته من عداء ومحاربة، لذا أوصى بمحبته و موالاته مرات عديدة، تلك المحبة و الموالاة الصادقة التي تنفع عليا و تعينه على نصرة الحق و لا تتركه لوحده، لا المحبة والولاء الادعائي الذي يكون وسيلة للتجرُّؤ على المعاصي و تعدي حدود الله تعالى، كما يفعل اليوم عديد من الأراذل قائلين (حبُّ عليٍّ حسنةٌ لا تضرُّ معها سيئة!) فيغرّهم الشيطان بارتكاب المعاصي و الآثام، لا والله.
و يتابع الطبرسي روايته الواضحة الاختلاق و المنسوبة زورا و بهتانا للإمام الصادق فيقول: [قال الصادق عليه السلام: فأُفْحِم أبو بكر على المنبر حتى لم يَحِرْ جوابا، ثم قال: وُليتكم و لست بخيركم أقيلوني أقيلوني! فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لُكَع[5] [14] ، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش، إذًا لم أقمت نفسك هذا المقام؟ و الله لقد هممت أن أخلعك و أجعلها في سالم مولى أبي حذيفة! [6] [15] قال: فنزل (ابو بكر) ثم أخذ (عمر) بيده و انطلق إلى منزله و بقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلىلله عليه وآله، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد و معه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها و الله بنو هاشم؟ و جاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطَّاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلىلله عليه وآله، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.
(1) هل يعقل أن نبي الله (ص) ـ الذي أوتي فصاحة البيان و جوامع الكلم ـ يوقف الناس في الصحراء الحارة ليلقي كلمة هامة و لكنه يعجز عن أن يبين مقصوده منها و يتم حجته على المستمعين حتى يضطروا أن يرسلوا شخصا ليسأله عن مقصوده من كلمته؟!! ( x)
(2) أنساب الأشراف، البلاذري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: تصحيح محمد باقر المحمودي، ج2 / ص 313.
(3) المرجع السابق: ج2 / ص 319.
(4) المصدر السابق: ج 1 / ص 199 (مت)
(5) اللكع: اللئيم و العبد الأحمق. (مت)
(6) الكاذب الذي وضع هذه الرواية يتصور أن عمر كان صاحب سلطة مطلقة في الأمر و النهي بين العرب، وأنه كانت له من القدرة ما يمكنه من أن يأتي بسالم و يخلع أبا بكر متى أراد! لا شك أن هذا الراوي الأحمق من أجهل الناس بتاريخ صدر الإسلام و من الذين نشأوا في عهد السلاطين المتجبرين و الملوك ذوي السلطة الفردية المطلقة!! (برقعي)