فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 94

فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص و قال: يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، و الله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم و إن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، و الله لولا أني أعلم أن طاعة الله و رسوله و طاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي و جاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.

فقال أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك و شكر لك سعيك، فجلس و قام إليه سلمان الفارسي فقال: الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله صلىلله عليه وآله بهاتين الأذنين و إلا صمتا يقول:"بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله و قتل من معه، فلست أشك إلا و أنكم هم"، فَهَمَّ به عمر بن الخطَّاب فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام و أخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يابن صهاك الحبشية لولا كتابٌ من الله سبق و عهد من رسول الله تقدم لأريتك أيُّنا أضعف ناصرا و أقل عددا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه:"فاذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون"والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلىلله عليه وآله أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله صلىلله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة] [1] [16]

قلت: إن هذه القصة المختلقة أشبه ما تكون بحكايات القصاصين الخرافية في القهاوي الشعبية التي يثيرون بها السذَّج الرعاع تلقاء أجر من المال. و للأسف فإن كتاب الاحتجاج مليء بأمثال هذه القصص الخرافية، من جملتها تلك الرواية التي ذكرها عقب روايته السابقة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: [ثم إن عمر احتزم بإزاره و جعل يطوف بالمدينة و ينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوتٍ مستترون[2] [17] ، فكان يقصدهم في جمع كثير و يكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب و نار و قال: و الذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله و ولد رسول الله و آثار رسول الله صلىلله عليه وآله فيه، و أنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه و ألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي و لا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن.

قال: و خرجت فاطمة بنت رسول الله صلىلله عليه وآله إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلىلله عليه وآله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم فيما بينكم و لم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك الرجاء، و لكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، و الله حسيب بيننا و بينكم في الدنيا و الآخرة] [3] [18] .

قلت: إن الراوي عبد الله بن عبد الرحمن هذا، لا يُعْرَفُ من هو، و يظهر أنه نفس"عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري"الذي اعتبرته كتب الرجال ضعيفا و ليس بشيء، و ذكر عنه الغضائري"أنه وضع زيارات تدل على خبث عظيم و مذهب متهافت و كان من كذَّابة أهل البصرة" [4] [19] .

أجل لا يروي مثل تلك الأكاذيب و ينسبها للآخرين إلا أمثال هؤلاء الغلاة الدواب الذين لا يعقلون!

ثم يذكر صاحب الاحتجاج رواية يرويها عن"سليم بن قيس الهلالي"عن سلمان الفارسي أنه قال: [أتيت عليا عليه السلام و هو يغسّل رسول الله صلىلله عليه وآله، و قد كان أوصى أن لا يغسّله غير علي عليه السلام، و أُخْبِرَ أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قُلِبَ له، و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلىلله عليه وآله: من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل. فلما غسّله و كفّنه أدخلني و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا عليهم السلام فتقدم و صففنا خلفه فصلى عليه و عائشةُ في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار فيصلون و يخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه، و قلت لعلي عليه السلام حين غسّل رسول الله صلىلله عليه وآله: إن القوم فعلوا كذا وكذا و إن أبا بكر الساعة لعلَى منبر رسول الله صلىلله عليه وآله و ما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. فقال علي عليه السلام: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله صلىلله عليه وآله؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خُصِمَتِ الأنصار، و كان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطَّاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و [معاذ بن جبل] . قال: لست أسألك عن هذا، و لكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله صلىلله عليه وآله؟ قلت: لا و لكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة، شديد التشمير و هو يبكي و يقول: الحمد لله الذي لم يمتني و لم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد. فقال لي علي عليه السلام: يا سلمان و هل تدري من هو؟ قلت: لا و لكني ساءتني مقالته

(1) المصدر السابق: ج 1 / ص 200 ـ 201 (مت)

(2) إذا كان هذا صحيحا فلماذا قال الغلاة ارتد الناس إلا ثلاثة أو سبعة! و الحال أن كل هؤلاء رفضوا البيعة واستتروا في بيوتهم و ما أتوها إلا مكرهين، كما تدعي هذه الرواية؟؟!! حقا إن حبل الكذب قصير! (مت)

(3) المصدر السابق: ج 1 / ص 201 ـ 203، أو: صفحة 105 من الطبعة القديمة. (مت)

(4) انظر جامع الرواة، للفاضل الأردبيلي: ج 1/ص494. (بيروت: دار الأضواء، 1403 هـ / 1983) (مت)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت