والوضاعين تعد ـ كما يؤكد العلامة الرجالي"التستري" [1] [9] ـ مطعنا بالراوي يوجب ضعفه، و يفقد الثقة بمنقولاته.
ثم إن"أحمد بن الحسين"روى حديثنا هذا عن"الحسن بن محمد بن جمهور العَمِيّ" (أو القُمِّيّ كما في بعض النسخ) الذي قال عنه الممقاني في تنقيح المقال (ج1/ص306) : [يروي عن الضعفاء و يعتمد على المراسيل] و هو عن أبيه محمد بن الحسن بن جمهور المجروح جدا في كتب الرجال، فالشيخ النجاشي قال عنه: [محمد بن جمهور أبو عبد الله العَمِيّ ضعيف في الحديث فاسد المذهب، و قيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها] [2] [10] و نقل الأردبيلي في جامع الرواة (ج2/ص 87) أقوال الرجاليين فيه كما يلي: [محمد بن جمهور العمي عربي بصري غال [ضا] ... أبو عبد الله العمي ضعيف في الحديث غال في المذهب فاسد في الرواية لا يلتفت إلى حديثه و لا يعتمد على ما يرويه [صه] .. ] و قال ابن الغضائري عنه: [محمد بن الحسن بن جمهور أبو عبد الله القمي غال فاسد المذهب لا يكتب حديثه رأيت له شعرا يحلل فيه المحرمات] ، وذكره ابن داود في رجاله (ص442) في القسم الثاني المخصص للمجروحين و المجهولين و قال عنه: [يروي عن الضعفاء و يعتمد على المراسيل] ، و هكذا في سائر كتب الرجال. هذا و لما كان الرجل قد عمَّر كثيرا فبلغ عمره مائة و عشرة سنوات، وكان غاليا، فلا يستبعد أن يكون قد وضع هذا الحديث في أواخر القرن الهجري الثالث (أي بعد أن اتضح ما استقرت عليه الإمامية الاثني عشرية من أسماء و عدد للأئمة) و علمه لابنه الحسن!. ثم جاء مثل"محمد بن همام"ليروي هذا الحديث و يتخذه حجة ويتعجب كيف رواه أبو هريرة و لم يعمل به!!.
علاوة على الأحاديث التي ذكرت فيها أسماء الأئمة صراحة، توجد في كتب الشيعة أحاديث أخرى فيها النص على الأئمة بنحو الكناية والإشارة، و أهم هذا النوع من الأحاديث ما أورده المحدث الكليني في كتابه أصول الكافي: كتاب: الحجة، باب: ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم عليهم السلام، حيث أورد الكليني في هذا الباب عشرين حديثا، اعتبر"العلامة المجلسي" (رحمة الله عليه) ـ في شرحه للكافي الذي سماه"مرآة العقول"ـ (ج1/ص433ـ439) تسعة منها ضعيفة، و ستة مجهولة، و حديثا واحدا مختلفا فيه، و حديثا مرفوعا و حديثا حسنا و حديثين منها فقط صحيحين، وأحد هذين الحديثين الصحيحين، بنظره، هو الحديث الذي رواه"أبو هشام الجعفري"عن حضرة الإمام محمد التقي عليه السلام، وهو حديث سيأتي عن قريب بيان ضعفه و بطلانه [3] [11] . و الثاني هو هذا الحديث نفسه لكن بسند آخر من رواته"أحمد بن محمد بن خالد البرقي"و هو راو ضعيف، لا ندري كيف اعتبره العلامة المجلسي صحيحا! [4] [12] .
لكن العجيب أنه علاوة على ضعف سند هذه الأحاديث، فإن متنها واضح البطلان، لأن سبعة منها و هي الأحاديث: 6 و 7 و 8 و 9 و 14 و 17 و 18، يجعل عدد الأئمة ثلاثة عشر!، فالحديث السادس الذي يرويه أبو حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين يقول: [إن الله خلق محمدا و عليا وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله و يقدسونه و هم الأئمة من وُلْدِ رسول الله (صلى ا لله عليه وآله) ] . فكيف يكون الأئمة من وُلْدِ رسول الله، و عليٌّ ليس من وُلْدِه؟
و كذلك في الحديث السابع يقول الإمام الباقر عليه السلام: [ .. الاثني عشر إمام من آل محمد كلهم مُحَدَّث من وُلْدِ رسول الله ... ] . و في الحديث الثامن يقول حضرة أمير المؤمنين عليه السلام: [إن لهذه الأمة اثني عشر إمام هدى من ذرية نبيها ... ] ، و في الحديث التاسع يقول حضرة الإمام محمد الباقر عليه السلام، ناقلا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قوله: [دخلت على فاطمة و بين يديها لوح لها فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثنا عشر آخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي[5] [13] ]، و في الحديث السابع عشر يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين: [إني و اثني عشر من ولدي و أنت يا علي زرُّ الأرض يعني أوتادها و جبالها ... ] ، و في الحديث الثامن عشر يقول الإمام الباقر: [قال رسول الله: من ولدي اثني عشر نقيبا نجباء محدثون ... ] .
فهذه الأحاديث تثبت أن من ذرية الرسول (صلى ا لله عليه وآله) سيكون اثنا عشر إماما، وبالتالي فمع الإمام علي ـ الذي هو أول الأئمة و ليس من ذريته (صلى ا لله عليه وآله) ـ سيكون مجموع عدد الأئمة ثلاثة عشر إماما!! و يبدو أن الراوي الوضاع الكاذب نسي أن عليا عليه السلام ليس من ذرية الرسول (صلى ا لله عليه وآله) ولم يتوقع أن يقع حديثه، فيما بعد، بيد من يفرق بين عدد الاثني عشر و الثلاثة عشر!!
و هكذا رأينا من خلال تمحيص أسانيد جميع أحاديث النص على الأئمة هذه و تحليل متونها، أنها جميعا أحاديث موضوعة مكذوبة لم تصدر قطعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو آله الكرام. و نتجه الآن نحو تاريخ الأئمة أنفسهم لنر هل تتطابق سيرهم و أقوالهم مع وجود مثل أحاديث النص هذه أم لا؟
(1) انظر"قاموس الرجال"للعلامة التستري: ج 8 / ص 428.
(2) رجال النجاشي: ج2/ ص225. (مت)
(3) انظر الصحفة ... من هذا الكتاب.
(4) من الجدير بالذكر أن المحدث المحقق محمد باقر البهبودي صاحب كتاب"صحيح الكافي"لم يعتبر أيا من العشرين حديثا في هذا الباب صحيحا. (برقعي)
(5) نقل هذه الرواية نفسها كل من الشيخ الصدوق في كتبه و من جملتها"إكمال الدين"و الشيخ الطوسي في كتابه"الغيبة"، و لكنهما جعلا عدد الذين اسمهم علي"أربعة"خلافا لما ذكره الكليني هنا من أنهم"ثلاثة"!