القيد لا يوجد في أيٍّ من روايات الحديث.
6 ـ طبقا للروايات و الأحاديث الواهية الكثيرة للقائلين بالنص، فإن خلافة و ولاية علي ? أهم غرض و مراد لرب العالمين! إذ يدَّعون أن جميع رسل الله تعالى و أنبيائه الكرام من لدن آدم إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه و آله وسلم) ، بينوا لأقوامهم مسألة إمامة علي و ولايته، كما بين رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك الأمر أكثر من ألف مرة منذ بداية بعثته و إلى رحلته (صلى الله عليه و آله وسلم) وذكّر به في كل مناسبة، في مجالس فردية أو جماعية، كما نزلت أكثر آيات القرآن في هذا الأمر، و رغم كل ذلك لم يول أحد هذا الأمر عناية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ، و كأن الله تعالى ـ و العياذ بالله ـ عجز عن تحقيق إرادته، مع أنه القائل: {كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز} المجادلة / 21. فكيف تأتَّى أن يُهْجَرَ مثل ذلك الأمر و يُنْسَى نهائيا على ذلك النحو؟؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يكن على الصورة التي ذكروها؟.
7 ـ تشير سنة الله تعالى إلى أنه عندما يريد أن يختار أحدا من عباده ويبعثه للدعوة و الإصلاح، فإنه يصطفيه من بين الضعفاء و الفقراء و يخلع عليه خلعة النبوة، ثم يؤيده و ينصره على جبابرة الدنيا و عتاتها، ليحقق بذلك إرادته. ومن هنا نرى أن الله سبحانه يجتبي إبراهيم عليه السلام من عائلة وثنية تنحت الأصنام، فيبعثه سبحانه ليشيد بنيان التوحيد على ذلك النحو، ورغم اضطهاده و إجباره على الهجرة و الخروج من بيته و موطنه، كانت إرادة الله تعالى هي الغالبة في نهاية المطاف، و وصل إبراهيم لذلك المقام العظيم الذي قال فيه سبحانه: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} النساء / 54. و أرسل موسى عليه السلام بلباس الراعي ونعله و عصاه، إلى فرعون، مدّعي الألوهية و مالك ملك مصر، فنصره عليه و منحه قوة و قدرة جعلت فرعون و آله يصيرون إلى قاع البحر، وغدا موسى بعصاه و يده البيضاء مؤسسا لسلطان ملوك كبار من بعده (من بني اسرائيل) ، و يأتي بدين و كتاب بعث الله تعالى بعده أكثر من سبعين ألف نبي لتجديده و إحيائه.
و كذلك اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو يتيم أمي من أم أرملة فقيرة توفي زوجها قبل أن يولد و ما ترك لها إلا وليدها الصغير و أربع عنزات وبغلة، فأضفى عليه سبحانه عظمة و قدرة و أصبح دينه أبديا خالدا، و أخضع له رقاب كبار الطغاة في عصره، فإذا به يكتب ـ خلال المدة القصيرة لبعثته ـ رسائل لستةٍ من كبار سلاطين الدنيا في عصره الذين كانوا ملوك العصر الذين لا يُنازَعون، يدعوهم فيها للدخول في دينه، ثم لا تمضي مدة قصيرة إلا و تنضوي جميع تلك البلدان، التي كتب لملوكها الرسائل، تحت سلطان الدولة الإسلامية التي أسسها، ويبقى دينه خالدا ما بقي الدهر.
فلو أن خلافة علي و ولايته كانت حقا غاية إلهية عظيمة و كان الله ورسوله يريدان ذلك عبر كل تلك الأحاديث و الروايات، فلماذا لم يستطع الله (!) ـ تعالى الله عن ذلك ـ حتى بيان ذلك المطلب بشكل قاطع و صريح في كتابه الكريم و بواسطة نبيه الكريم أو أي أحد آخر من عباده لتتحقق إرادته وينتصر هدفه و لا يضل الناس ذلك الضلال المبين؟، هذا إن كان عدم توليته ضلالا مبينا حقا، أوليس هو القائل: {و الله غالب على أمره} والقائل: {ألا إن حزب الله هم الغلبون} ؟ فكيف نفسر هذا الفشل في تحقيق ذلك المراد الخطير؟ اللهم إلا أن نعترف بأنه لم يكن هناك مثل هذا الهدف والقصد و أن تلك الادعاءات العريضة ادعاءات باطلة لا أساس لها.
8 ـ و الأهم من ذلك هو تلك الطريقة العجيبة التي ليس لها سابقة والتي لا يمكن أبدا تبريرها التي يدعون أن الشارع تعالى بين بها أصل"الإمامة المنصوص عليها"، رغم أهميته العظيمة. و هذه قضية جديرة بأن تفتح الطريق أمام المنصفين وطلاب الحق لمعرفة حقيقة القضية.
فإن في القرآن الكريم مئات الآيات البينة المحكمة التي تقرر أصل"التوحيد"وكذلك عشرات بل مئات الآيات التي تتكلم عن"اليوم الآخر"، وكذلك ليست قليلة الآيات الواضحة التي تقرر أصل"النبوة العامة"و تبين وتستدل على أصل"نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاصة"، و هكذا حول بقية أصول الدين وأركان الإيمان، بل لقد بين القرآن أيضا كثيرا من الفروع (حتى الجزئية الصغيرة منها كلزوم رد التحية بأحسن منها و التوسع في المجالس .. إلخ) ، وقد بين القرآن كل تلك الأصول بعبارات واضحة جلية محكمة لا مجال للبس أو الاحتمال أو الغموض فيها، يفهم منها المراد مباشرة ـ بنحو الإجمال على أقل تقدير ـ بدون الحاجة للاعتماد على الحديث. و لكن لماذا ترك القرآن هذه الطريقة في بيانه أصل"الإمامة"الخطير الذي هو مناط السعادة و حفظ الدين كما يقولون؟؟! و أما الآيات التي يذكرونها على أنها تنص على موضوع الإمامة فهي آيات يقتضي قبول ارتباطها بموضوع الإمامة أن نغمض النظر عما قبلها و ما بعدها من آيات أي عن سياقها، بل أحيانا يقتضي أن لا نكمل الآية إلى آخرها أي أن نقص العبارة من الآيات قصا!! علاوة على الإشكال الأكبر و هو أنها آيات لا تفيد المدعى إلا بمساعدة الحديث، و بدونه لا تدل على المطلوب أبدا؟!! حقا إنه لعجيب جدا هذا الاستثناء في طريقة الشارع المقدس في بيانه لأصول الدين، حيث عوضا عن الصراحة و الوضوح المعهودين دائما منه، يختار هنا ـ في هدايته الأمة لهذا الأصل العظيم ـ الإبهام و الغموض. و حتى عندما نأتي للحديث الذي يدعون أنه نص على الإمامة نجده غير قاطع في المراد، و نجده يستخدم كلمة"مولى"التي يعترف المؤيدون للإمامة بالنص، أن لها على الأقل سبعة و عشرون معنى في اللغة العربية!!! و نجد سياق الحديث و ملابساته و قرائنه تدل على أن المراد بالمولى أمر غير الإمامة و الإمارة. هذا في حين أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد الحرص على هداية قومه [1] [11] و كان"أفصح من نطق بالضاد"، فلا شك أنه لو أراد هداية أمته و إتمام الحجة عليها ببيان أصل أساسي وخطير من أصول الدين لبينه بعبارات
(1) إشارة إلى ما جاء في سورة الكهف/ آية 6: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} و نحوها في سورة الشعراء/ آية 3. و كذلك قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} النحل/37، و قوله عز من قائل: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} التوبة/ 128. ( x)