فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 94

ب) وقعت وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في وقت كان فيه أربعة من الدجَّالين قد ادعوا النبوَّة في أطراف المدينة المنوَّرة و هم مسيلمة و سجاح والأسود وأبو طليحة، فلو حصل أي تردد أو تأخير في تعيين الحاكم ورئيس الجماعة المسلمة لكان من الممكن أن يجد مدّعوا النبوَّة ـ الذين كانوا أعداء متربصين بالإسلام ـ الفرصة سانحة لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها و قد ينجر ذلك لوقوع مذبحة للمسلمين.

ج) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد كتب في أواخر حياته الشريفة رسائل إلى ملوك و رؤساء الدنيا حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسائله التي كتبها لهرقل عظيم الروم في سوريا و المقوقس ملك الأقباط في مصر وخسرو برويز (كسرى) شاهنشاه إيران، و لذلك كان هؤلاء يتحسَّبون لخطر المسلمين، فإذا عرفوا أن نبي المسلمين قد فارق الدنيا و أن أصحابه انقسموا في شأن خلافته ولا زالوا بلا قائد يوحدهم، لربما سارعوا إلى الانقضاض علىلمدينة و إخضاع المسلمين، لذا كان (الصحابة يشعرون أنه) لا بد من الإسراع في نصب الخليفة دفعا لهذه الأخطار المحتملة.

د) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حال احتضاره قد جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد و أمره بالتحرُّك نحو اليرموك، و لكن طروء وفاته (صلى الله عليه و آله وسلم) أوقع الجيش في ارتباك و حيرة و ما عاد يعرف ماذا يتوجب عليه فعله في هذا الظرف الجديد، لذا كان لا بد من تعيين سريع لإمام و حاكم على المسلمين ليعين تكليف هذا الجيش.

ه) كان المسلمون يدركون أن تعيين الرئيس الحاكم عليهم، و صاحب السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام الإسلام، من أهم الواجبات، خاصة في تلك الظروف الحرجة و الأوضاع المضطربة المذكورة (1) [15] . و هذا ما أشار إليه علي u في رسالة جوابية كتبها لمعاوية حيث قال: [و الواجب في حكم الله و حكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أو يُقتَل، ضالا كان أو مهتديا، مظلوما كان أو ظالما، أن لا يعملوا عملا و لا يُحْدِثوا حدثا ولا يقدِّموا يدا أو رجلا و لا يبدؤا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما] .

و) وقوع اختلاف بين المهاجرين و الأنصار في إحدى الغزوات، و كذلك بين الأوس و الخزرج، كان دالا على أن العصبية القبائلية لم تجف جذورها بل لا زالت ذات أثر فيهم، و هي عصبية قد تؤدي لمصائب إذا لم يتم كبحها بسرعة، لذا كان لا بد من عدم التواني لحظة في نصب الإمام و الحاكم لضبط الأمور ومنع حدوث أي صراع أو نزاع قد يفلت معه الأمر من أيديهم، و لمواصلة تطبيق أحكام وأوامر الشريعة الإلهية الخالدة التي لا يجوز تعطيلها حتى و لا دقيقة واحدة، من هذا المنطلق كان الصحابة في غاية العجلة لتحقيق هذا الأمر، يضاف إلى ذلك أن جماعة المهاجرين الذين كانوا قد سمعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (( الأئمة من قريش ) )و سمعوه يوصي بالأنصار قائلا: (( اللهم اغفر للأنصار و لأبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار ) ) (2) [16] ، و (( إن الأنصار كَرِشي وعيبتي .. فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم .. ) ) (3) [17] ، فهموا من ذلك ـ كما فهم علي u ذلك أيضا (4) [18] ـ موافقته (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن ولاية الأمر ليست فيهم بل في قريش والمهاجرين شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لذلك اضطرهم ما رأوه من استعجال الأنصار في سعيهم لتنصيب خليفة من بينهم أن يتداركوا الأمر بسرعة و يمنعوهم من ذلك قبل أن يخرج الأمر عن أيديهم و ينقسم المسلمون على بعضهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام و أهله كل خير.

2 ـ كان علي عليه السلام مشغولا بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فلم يشارك في المشورة في السقيفة و لم يطرح نفسه لانتخاب الناس، و لعله لم يسرع في هذا الأمر لأنه ما كان يتوقع أن يعدل عنه الناس، و لربما فهم بعض الناس من عدم حضوره السقيفة أو إرساله من ينوب عنه فيها، عدم رغبته في الأمر، و لذلك لم يتعرضوا لانتخابه، و من دون شك أنه لو كان قد طرح نفسه للخلافة من البداية و استدل على أولويته بما هو معهود من فصاحته و بلاغته المحيرة و قدرته على الإقناع لما عدل الصحابة عنه إلى غيره ولما وُجِدَ له معارض، كما مر معنا أن عددا من الأنصار لما سمعوا كلامه بعد حادثة السقيفة اعترفوا قائلين: لوسمعنا كلامك هذا من قبل لبايعناك.

3 ـ لم يكن يوجد في ذلك الحين كل هذا الكم الهائل من أحاديث فضائل و مناقب ذلك الجناب عليه السلام التي يرفعه بعضها إلى مقامات أسطورية فوق بشرية والتي نراها في كتبنا اليوم، و لا كل تلك التأويلات للآيات القرآنية في حقه، و لا كان أحد يعتبر عليا"عين الله الناظرة و يد الله الباسطة"! و لا كان أحد قد وقع بعد في تلك الحيرة (!) التي واجهت أحد شعراء العصور التالية فقال مخاطبا عليًا عليه السلام: من اكر خداي ندانمت متحيرم كه جه خوانمت؟؟

أي: إن لم أعتبرك الله فأنا محتار ماذا أعتبرك؟؟

بل كانوا يعتبرونه صحابيا من السابقين المهاجرين المجاهدين العالمين الفقهاء بالقرآن و أحكام الإسلام، و رغم أن تميزه و أفضليته لم تكن مجهولة لدى الصحابة إلا أنهم لم يكونوا متقيدين بأن يكون هو الإمام حتما، و لا كان هذا التميز لدرجة تمنع بالضرورة الآخرين من ذوي الفضل و السابقة في الإسلام أن يتقدموا لهذا المنصب، و لعلهم كانوا يرجحون الشيوخ ذوي التجربة على الشباب من أصحاب الفضل و الجهاد، ولذا انتخبوا غيره، و مع ذلك كان في صحابة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من يرى عليا أحق الناس بها لا من جهة أنه منصوص عليه من قِبَل الله تعالى و رسوله، بل من جهة أعلميته بأحكام شرع الله في كل موضوع، ونفس أمير المؤمنين كان يعتبر نفسه أحق و أولى بمقام الإمامة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت