وقد قال في رسالة لذنبه أبي الفتوح دون تاريخ ولكنها مما كتبه قبيل وفاته، وصورتها تحت يدي بخطه: (وجوده صلى الله عليه وآله وسلم في كل مكان، بل هو الكون كله) ، وقد سبق نقله في فصل نقد وحدة الوجود.
و قال في رسالة أخرى له: (وقولي لك في الرؤيا: كل ما ترى فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو حق، وهو قولي في اليقظة ولا بد، فهي رؤيا حق صادقة)
و واضح من كلمته العوراء هذه أن الهدف من وجوده صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في كل مكان، التدرج إلى أنه هو الله، والكون كله هو الله تعالى ربنا عن هوس المجرمين الملاحدة علوا كبيرا.
وأما المصيبة الثانية، وهي أعظم من الأولى وأعرق في الكفر والضلال، فهي اعتقاد أبي البيض وقبيله أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الغيب كله حتى الخمس التي لا يعلمها إلا الله كما ورد عنه في الصحيح [1] : ( ... في خمس لا يعلمهن إلا الله: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ... ) . ولم يكتف أبو البيض بهذا بل زعم أن الأولياء كذلك يعلمون الغيب، وهذا من لوازم عقيدة وحدة الوجود جزما، فمن اعتقد أنه الله بل وأقسم على ذلك كما قال الحراق: [مجزوء الرمل]
فانظروني تبصروه ... إنه والله أني
لم يشذ عن علمه شيء، وتلقف هذا البلاء جميعه شقيقه أبو العسر فقرره بمنتهى الجرأة والوقاحة في مقدمة ما سماه (الأربعون العزيزية) في الطبعة الأولى، وحذف تلك المقدمة في الطبعة التالية، وفي رسالة له إلى أبي الفتوح رقم 85 يقول: (والأحاديث التي وقفت عليها في نفي علم الغيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معناها: نفي ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم بذاته، بخلاف إطلاع الله تعالى إياه على ما شاء من غيبه(إلا من ارتضى من رسول) ، وهو أفضل مرتضى على الإطلاق صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كانت هناك جزئية بعينها، فالجواب أنه صلى الله عليه وآله وسلم نفى اطلاعه عليها قبل أن يطلعه الله تعالى في آخر عمره، أطلعهم الله على كل شيء، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والله إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني ربي) ، وكيف تقبل تلك الأحاديث ـ إن صحت ـ على ظاهرها، ونحن نشاهد آلاف المسائل من المغيبات التي أخبر بها في حياته، أو ما ظهر بعد انتقاله، من عهد الصحابة إلى اليوم، وإلى قيام الساعة، وفي (طباق الحال الحاضرة) ، وهي قطرة من بحر، كفاية، فكيف بما سبق من المغيبات التي أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلم .. ).
(1) صحيح البخاري 4404.