فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 164

فأظهر أولا التشيع الغالي، ثم ادعى عصمة علي، ثم اختلق فرية الوصية، ثم ادعى في علي الألوهية، وبلغ ذلك عليا فنفاه إلى المدائن، وليته قتله، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولم يكف المجرم الضليل عن كيده المدروس المبيت، فلبث يدعو إلى أفكاره الهدامة، ومزاعمه الكفرية وتبعه فئام من الناس ممن غلبت شقوتهم، وفسدت فطرتهم، وانتشر هذا البلاء حتى صارحوا بذلك عليا، فاستعظم الأمر جدا، وأمر بإحراقهم أحياءً، فقالوا له: الآن علمنا أنك ربنا لأنه لا يعذب بالنار إلا ربها، وأمر علي مولاه قَنْبُر بإشعال النيران، وقذفهم فيها وأنشد: [رجز]

لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أجّجتُ ناري ودعوت قنبُرا

و أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على علي إحراقهم بالنار أحياءً لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الأمر كان نفذ، وانتشرت من يومئذ الأفكار السبئية المنحرفة وتبنّاها الروافض، وتفننوا في الانتصار لها والدعوة إليها، ووضع الأحاديث والآثار في تأييدها، حتى أصبحت الوصية والعصمة والتقية والبداء والرَّجعة، واعتقاد تحريف القرآن من ضروريات دينهم، وسكتوا عن دعوى الألوهية واعتاضوا عنها بالغلو البليغ، والإطراء المحرم، وقد اختلف العلماء في تعريف جامع مانع للشيعة، فقالوا أقوالا لا تثبت على النقد، وأحسنها وأجمعها قول أبي محمد ابن حزم رحمه الله كما في الفِصَل: من وافق الشيعة في أن عليًا رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيًا [1] . وهذا كما ترى منطبق على أبي البيض؛ بل زاد غلوا وإفسادا في عقيدته نحوه: فهو عنده يعلم الغيب كله، وأنه إمام الأولياء والعارفين كلهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اختصه بالمعارف الإلهية، وعهد إليه سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره، وأنه باب مدينة العلم اعتمادا على حديث موضوع ألف أبو البيض جزءا في تصحيحه عبثا، وأنه رضي الله عنه خلق والنبي من نور واحد، إلى غير ذلك من أمارات الغلو التي تنادي على صاحبها بالتشيع والرفض، ويرى القارئ أضعاف هذا في (البرهان الجلي) ، فقد نقل فيه عن غلاة الصوفية المتأخرين ما يوازي فضائح الروافض، ورحم الله الإمام أبا زرعة الرازي، فقد نقل عنه الخطيب البغدادي في"الكفاية في علم الرواية"قوله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما

(1) الفصل في الملل والنحل 2/ 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت