والمقصود التنبيه [1] على شيء غير معهود بدافع الشفقة على الأدعياء، وهم يعلمون ما ورد فيمن انتسب إلى غير مواليه من اللعن والحرمان من الجنة، ونحن نعلم أن نسب أبي البيض من جهة الأب والأم لم يتناوله النسابون في المغرب وغيره، وهم كثيرون، وكتبهم متداولة، وقد راجعناها فلم نجد من أشار إلى نسبهم إلا إدريس الفضيلي، وهو متأخر جدًا (ولد سنة 1260 هـ، وتوفي سنة 1312هـ) ، فقد أوردهم في (الدرر البهية والجواهر النبوية) ونسبهم إلى سليمان أخي إدريس دفين عين الحوت قرب تلمسان [2] ، في حين أنهم ينتسبون أدارسة كما بينه أبو البيض في"سبحة العقيق"، واختصارها"التصور والتصديق [3] "، وهذا بدون شك يدعو إلى التوقف والورع، لأنه شبهة قوية في موضوع صعب، علما أن نسّابة المغرب لم يدَعُوا نسبا مهما كان خفيا إلا نبهوا عليه، وتتبعوا ذلك بأوامر سلطانية، وعين لذلك نقباء عدة
(1) وما أنا بشاذ في هذا الباب، بل سبقني إلى هذا ابن عمهم الأستاذ المهدي المومني التجكاني رحمه الله صاحب كتاب"دار بريشة أو قصة مختطف"، الذي بارزهم بالطعن، وناظر في ذلك الشيخ عبد الله بن الصديق في محفل عائلي بتطوان فأفحمه، لكن الشيخ عبد الله أسرها في نفسه، وعرض به في كتابه"سبيل التلفيق"بكلمة عوراء، لا تنطلي إلا على أعمى القلب والبصيرة.
(2) قال خلال الفصل الثالث في ذكر أبناء الفرع الثالث من فروع مولانا عبد الله الكامل وهو السيد سليمان:
(و فرقة بغمارة وهم أولاد عبد المؤمن، ورجع بعضهم لتلمسان، وجميعهم أولاد السيد عمر الشريف بن أحمد بن محمد العابد بن إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله الكامل) . 2/ 177. هكذا ذكر هذا الكلام دون دليل يعضده، ولا يقال بأنه أعلن عن منهجه في المقدمة بقوله: (و قد التزمت بحول الله أن لا آتي إلا بما صح لدي، أو أداه خيار الثقات إلي ... ) 1/ 27. قلت: لكن أعوزه البيان في هذا المكان، وعلى الأخص فيما انفرد به دون غيره، لأنه لا عليه الدعوى، ووسموه بالوهم والغلط في الفحوى.
و مما يدل على الخلل والخطل، وعدم التثبت فيما ادعى، قوله يكتب لنفسه؛ بل يكتب لمن سيأتي بعده، من ناقد متثبت، وها هو ذا سلط عليه المعول من أبناء الفرقة، حيث ردوا في آخر الفصل: (فهذا ما وسعني تقييده من هذه الفروع المباركة، وقد كثر فيها الادعاء، فيجب الاحتياط فيمن ينتسب إليها، والله الكريم الستار، الفاعل المختار، لا إله إلا هو خالق كل شيء) . 2/ 178.
(3) أتى فيهما بدعاوى لا خطم لها ولا أزمة، كالتبجح بظهائر الملوك العلويين (و على الأخص ظهير السلطان إسماعيل، الذي اكتفى بالإشادة بجهوده في جمع وتنقيح الأنساب الشريفة) دون ذكر نص ظهير واحد يركن إليه؛ إلا ظهير يوسفي، في صحته نظر، وقد قيل: إنه عمل بيد، إذ لو كان بيده أعلى من هذا لأورده؛ ولكن الغريق يتمسك بقشة كما يقولون.