كما هو معروف [1] ، وما يقال عن نسب أبي البيض من قبل الأب كذلك يقال من قبل الأم، فإن نسب بني عجيبة لم يثبت، وقد قيل بأن الشيخ أحمد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهو يقول له: أنت ولدي حقا، ومع ذلك فلم يكن ينتسب إلى البيت النبوي تورعا، وكان يقول: فحسب المرء دينه وشرفه تقواه، قال تعالى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"إنه لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى". أو كما قال عليه السلام [2] . لكن غلبت عليه شقوته واطمأن للترهات والمرائي التي لا يثبت بها حكم أو نسب، فانتكس وقال: وقد كنت أتنكب الانتساب وأتحرج منه في شهادتي وكتبي لعدم تحقق ذلك حتى رأيت شيخنا (أي: البوزيدي) وشيخه (أي: الدرقاوي) يصرحان به في كتبهما لي ولأخي، وهما يتكلمان بالله وينظران بنور الله فعلمت صحة النسبة مع الحكاية المتقدمة قبل. والرؤيا التي رآها الشريف العلمي وغيرها، فقوي اليقين بصحة النسبة، والله تعالى أعلم [3] . وهذا لا قيمة له في الميزان العلمي، والله المستعان على ما يصفون.
و بالمناسبة نقول عن نسب شيخ عزنان الأثير أبي الفتوح بأنه شديد التمسك بالنسب النبوي لما يتوهمه فيه من النفع والمجد كمشايخه الغماريين، وإن كان شيخه أبو البيض لم ينعته في فواتح رسائله بهذا الوصف على خلاف عادته مع الأشراف، فهذا رصيفه البقالي ذو اللحية الحمراء، وعدوه اللدود يصفه شيخهما أبو البيض بالشرف في رسائله إليه وهي كثيرة وقفت عليها، وهذه رسائل الشيخ إليّ وهي تناهز المائة وكلها كما يعلم أبو الفتوح متوّجة! بهذا الوصف الفَضْلة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وإنما أتكلم الآن بلسانهم مجاراة لهم، ومن الوقاحة بمكان واقتحام عقبة الباطل دعوى أبي الفتوح النسب النبوي وإثباته سلسلته -
(1) وبعد هذه الطعون الواضحة الجلية، أترك للقارئ الفطن فرصة التأكد من سلسلة نسبهم المزعومة من خلال تطبيق قاعدة ابن خلدون، القائل:"إنا إذا شككنا في نسب، حسبنا كم بين من في أوله ومن في آخره من السنين، جعلنا لكل مائة سنة ثلاثة أنفس، فإنها مطردة عادة، وإن أخرمت فبالزيادة". وهذه القاعدة نقلها الحافظ ابن حجر عن ابن خلدون ثم قال: ولقد اعتبرنا بها أنساب كثير ممن أنسابهم معروفة فصحت، وأنساب كثير ممن يتكلم في أنسابهم فانخرمت. انظر نظم العقيان للسيوطي 138.
(2) الفهرسة 19.
(3) الفهرسة 20.