فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 164

تفسير الصحابة، رضي الله عنهم: وتفاسيرهم في الغالب يكتنفها اختلاف، إلا أنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ويجب اعتبار هذا التفسير لأنه صدر ممن شاهد التنزيل، وعرف المناسبات وأسباب النزول، وخالط الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلم تصرفاته وأعماله، وفهم أخلاقه التي كانت مستمدة من القرآن كما قالت زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) [1] .

فإذا لم يوجد تفسير في هذا المراتب، وقلما يفقد، لجأ المفسر إلى اللغة العربية وأساليبها، ومعرفة سَنَن العرب في كلامها، فإنه واجد بإذن الله في ذلك ما يكفي ويشفي، إلا أنه قبل هذا وبعده، لابد من مراعاة أحكام وآداب يجب توافرها في المفسر، حتى لا يقع في المحظور إن هو أرخى العنان لهواه ونحلته، فيَضِلُّ ويُضِلُّ، وقد كان الأولون في عافية من هذا المأزق، لكونه غير معروف يومئذ، فلما تعددت المذاهب والنحل، وتكاثرت البدع والأهواء، اقتحم الضالون العقبة، فتجرأوا على تفسير القرآن بأهوائهم وعقائدهم، وكان منهم الصوفية الذين بالغوا في الافتيات على الله، وقَوَّلوه سبحانه ما لم يقل، فظهرت تفاسيرهم التي أُقسِمُ بالله بارّا غير حانث أنها عبث بالقرآن، وتلاعب بأغراضه ومعانيه، وهذه تفاسيرهم بين أيديكم، للنيسابوري والمهايني وإسماعيل حقي، والتستري والسُّلَمي والورتجيبي والقُونوي والقُشَيْري وابن عجيبة، وهي بدون شك من التفسير بالرأي المذموم، والأمر في غنى عن التحذير والنهي، فإن مجرد تصوره كاف في اجتنابه، والنفور منه، وقد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن برأي أو قلت فيه بما لا أعلم) [2] . وورد عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه مثل هذا في تساؤله عن معنى (الأب) ، أما في المرفوع من الحديث فلا يصح، وهو ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب بن عبد الله مرفوعا: (من قال في كتاب الله عز وجل برأيه، فأصاب فقد أخطأ) [3] وفي سنده سهيل بن أبي حازم، لا يحتج به. وعن ابن عباس مرفوعا: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) [4] .

(1) رواه مسلم (746) .

(2) رواه سعيد بن منصور (39) ومن طريقه البيهقي في المدخل (792) وابن حزم في الإحكام (6/ 213) . قواه ابن حجر في الفتح (13/ 271) وصححه ابن حزم في المحلى (1/ 61) .

(3) رواه أبو داود (3652) والترمذي (2953) وضعفه الألباني.

(4) رواه أحمد (1/ 233) والترمذي (2950) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت