فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 164

وفي رواية أخرى عنه: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) [1] .رواه أحمد في المسند والترمذي، ومداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف.

ومزاولة أبي البيض هذا النوع من التفسير بالرأي المذموم كثير في كلامه، بل إنه أملى في منفاه تفسيرا من سورة البقرة إلى سورة الناس، سماه (الإقليد، في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد) في مجلدين ما زالا مخطوطا، ومنهجه أنه ما مر بآية في ذم المشركين والصابئين وأهل الكتاب والمنافقين إلا وأنزلها على المقلدين من المسلمين دون تمييز ولا تفصيل، في أسلوب مشعر بأنهم المراد لا غيرهم، والتقليد المبتدع ما اتصف به فريق من الفقهاء المتعصبين، لا التقليد كله، لأنه معلوم أنه لا مفر منه للعوام وأشباههم مِن مَن لا دراية لهم ولا فهم، ولست في حاجة إلى التمثيل، فإنه كما قلت تنزيل للقرآن الكريم على الأبرياء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفيهم من يعدهم أبو البيض أولياء عارفين صالحين، وإن أنكر كونهم مقلدة، وهو بذلك يحاول ستر الشمس بالغربال.

والكتاب الآخر الذي تورط فيه في هذا الخبل هو (مطابقة الاختراعات العصرية، لما أخبر به سيد البرية) وهو مطبوع، وقد ملأه بالأحاديث الواهية والموضوعة، يوردها أحيانا بأسانيدها ويسكت، وهو يعلم أنها كذب، وهو بذلك داخل في وعيد حديث: (من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْنِ) ، وحديث (إن كذبا عَلَيَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ فليرد النار) والحديثان صحيحان.

وقد انفرد أبو البيض بقاعدة أصَّلَها في مصطلح الحديث لا علم للناس بها، وهو مجتهد في كل شيء، حتى في اللغة، والقاعدة أن الحديث إذا أورد مطابقا للواقع فهو صحيح بقطع النظر عن سنده، وقد تبعه على هذه القاعدة الغمارية شقيقه أبو العسر، فإنه كان مهووسا بهذا النوع من أحاديث الملاحم وأشراط الساعة.

وقد أورد أبو البيض طائفة من الآيات، زعم أنها مطابقة لما ظهر في هذا الوقت من المخترعات، كالطائرة والغواصات، والسيارات والقطارات، والدراجات والقنابل الذرية، والتلغراف والتليفون إلخ، يصرح في أثناء ذلك بأن المعنى الذي فسَّرها به هو الصحيح الواقع، ومن زعم غيره من مفسري السلف فهو جاهل معذور، وقد استولى عليه هذا الفهم، وولع به حتى انتهى به المطاف إلى الافتيات على الله، والحلف على مراده، وقال في قوله تعالى من

(1) رواها أحمد (1/ 323) والترمذي (2951) والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت