وأنا قرأت رسالة البرزنجي بمصر سنة إحدى وخمسين أي منذ ثلاث وعشرين سنة، ولم يبق بذهني من أدلته شيء، إلا أنه أجاد وأفاد، على أن العارف الشعراني يقول: إن الشيخ الأكبر يتكلم على فرعون آخر غير فرعون موسى، ولكنه اعتذار ظاهر الضعف.
والفتوحات والفصوص مشحونة بالمعارف الإلهية التي عجز أن يأتي بمثلها كبار العارفين لا بالطامات، نعم هي طامات على الجهلة، لأنها سبب في هلاكهم ووقوعهم في محاربة الله تعالى بمحاربة أوليائه.
والشيخ الأكبر لا يوجد له حرف واحد في الحلول، ومحال عقلا أن يدعي الحلول، وهو ينكر وجود غير الله معه مطلقا، ففي من يحل ولا وجود لغيره معه عنده، وهذه الكائنات كلها في قوله أوهام لا حقيقة لها.
والخوض في هذا الباب صعب على أمثاله، فإما أن يؤمن بكلام أهل الله، وإما أن يسلم، وإلا فالهلاك المحقق).
قلت: أتيت بنص كلام أبي البيض كله، لتقف على مدى غلوه في ضلاله، وتشبعه بكلام إمامه الذي كان أمة وحده في الإلحاد في دين الله والكيد له، والتلاعب بتعاليمه، الشيء الذي حدا بالمستشرق الإسباني (آسين بلاثيوس) بعد أن ترجم كلام ابن العربي إلى تسميته: (إسلام في ثوب نصراني) .
وتأمل إرهاب أبي البيض لمن يرد على أوليائه بالهلاك المحقق، وما الهلاك المحقق إلا ما هم عليه، والعبث بآياته، وقد حذا أبو الفتوح حذو شيخه في التهديد والوعيد لمن رد عليهما وحذر من أفعالهما، وهنا تحركت القريحة المكلومة، فنظمت الساعة هذه الأبيات غيرة على الحق، وذبا عن الإسلام، وردا لكيد أعدائه، والله الموفق: [البسيط] .
أبشر (أبا البيض) بالخسران والغضب ... من ربك الواحدِ القهارِ، والعطب ...
قد كنت أطريك مغترا ومندفعا ... بظاهر الحال مخدوعا بمنحجب ...
فتُبْتُ لما رأيت الكفر منتشرا ... في كتبك السود مأخوذا من العجب ...
برئت منك ومن أولي الزوايا فهمْ ... قبيل إبليس من زور ومن شغب ...
فهل من الدين والتوحيد معتقد ... يوحي بأن إله العرش كالخشب ...
أستغفر الله من قول ملئت به ... رعبا وخفت مصيرا باديَ الوصب