ثم تحدث عن الملائكة والجن والروح، وما أعطوا من النفوذ في الكون، وأن الروح إذا قويت حصل التصرف بها لا بالجسد، ومنه المعجزات والكرامات، وأشار الشيخ إلى حديث الولي، وفهمه فهما يوائم مذهبه في الوحدة والتصرف، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) ؛ كما في البخاري [1] وغيره، فمن كان الله سمعه سمع كل شيء، ومن كان الله بصره أبصر كل شيء، ومن كان الله يده التي يبطش بها قدر على كل شيء، لأنه ليس هو السامع ولا المبصر ولا المتصرف، بل الله تعالى، فإن منكر كرامات الأولياء وتصرفهم كمنكر وجود بغداد ومكة، حقه أن يُربط مع الدواب، ولابن بنت الميلق في قصيدته المعروفة: [البسيط]
به تصرفهم في الكائنات فما ... يشاء شاؤوا وما شاؤوه يقضيه
وهكذا لبَّس الشيخ ودلس، وأوهم ما ليس بمراد، وهو يعرف ما يقصده المتصوفة بالتصرف، ولكنه خلطه بوحدة الوجود والمعجزات والكرامات الخ ما لا معنى له هنا، والزَّج بالكرامات هنا مقصود للمغالطة، وإلا فنحن بحمد الله من أهل السنة والجماعة نؤمن بمبدأ الكرامات إيمانا جازما، ونعتقد أنه لا يسع مسلما إنكارها وقد أثبتها الله في كتابه، وتواترت بها الأحاديث والآثار، إلا أننا غير ملزمين بالخرافات التي تمتلئ بها كتب الصوفية، وتروج أكثر ما تروج في بيئتهم الموبوءة، وزواياهم التي هي مراكز البدعة والضلال، فلا نؤمن، بل نكفر ونحذر بقوة مما تضمنه (طبقات الشعراني) ، و (جامع كرامات الأولياء) للنبهاني، و (روض الرياحين) لليافعي وأمثالها، فمعظمها أكاذيب وترهات، وأساطير وخزعبلات، لا يَسلَم منها على النقد إلا القليل، وقد تصدى الأخ الفاضل عبد الرقيب الإبي اليمني فجمع مجلدا مباركا سماه: (كرامات الأولياء) اقتصر فيه على ما صح سنده مما يحكى ويروى عن الصحابة فمن بعدهم من أهل العصور المشهود لها بالخير، وهو يورد الأخبار بأسانيدها ويعقبها بالنقد العلمي النزيه، فيقرأها المؤمن مطمئنا، ويزداد بها إيمانا بما يرى من إكرام الله لعباده الصالحين المتقين، بنحو إجابة الدعاء، أو شفاء عاجل، أو دفع صائل، أو بركة في متجر، أو تسهيل عسر، أو تيسير مطلوب بعيد المنال، أو تدمير ظالم معتد، هذه الكرامات لا تخرج عن هذا الشكل، فلم نر فيها لا طيرانًا في الهواء، ولا مشيًا على الماء، ولا طي طريق، ونحو هذا من الغرائب التي لم ترو عن سيد الخلق في هجرته، وما لقي من أذى قومه ولا عن الخلفاء الراشدين، والصحابة المهتدين، وإنما يحكى عمن هب ودب من المجانين والحمقى والجهلة، وفيها ما يستحيى من سرده، مما لا حاجة إلى ذكره.
(1) صحيح البخاري 6021.