فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 164

وأما ديوان الأولياء أو (برلمانهم) الذي يُعقد بغار حراء بمكة كل سنة، يحضره الأولياء ويجلسون على مراتبهم تحت رئاسة القُطب، ويتداولون في شؤون العالم وينقضون ويبرمون، وأحسب أن هذا التخريف إنما صدر أولا من المغرب ومن فاس بالخصوص، وعلى يد عبد العزيز الدباغ الذي حكى عنه تلميذه أحمد بن مبارك اللمطي تفاصيل ذلك المثيرة في كتابه ذائع الصيت (الإبريز) [1] علاوة على غرائب وعجائب جعلت بعض معاصريه يشككون في ذلك لانفراده بصحبة ذلك الأبله، وحكاية تلك الخرافات عنه، والمقصود التنبيه، على أن مثل هذه البدع الضارة بالدين والدنيا لا علاقة لها بالولاية الحق، ولا بالإسلام الصحيح، والشيخ أبو البيض حكى ذلك في بعض رسائله بصيغة المسلم الواثق الجازم.

والقطبانية درجة في ترتيب الجندية الصوفية، وهي نهاية الترتيب، وربما سميت الغوثانية، ولم أعرف منشأ هذا النظام العسكري الباطني، إلا أني قرأت لبعض الباحثين أنه مأخوذ من الباطنية الإسماعيلية، وهذا غير بعيد، لأنه لا يعرف في الإسلام مثله أبدا، وقد ألف السيوطي رحمه الله وهو مخرف كبير وجاهل بالتصوف كما نعته أبو البيض في (الجؤنة) [2] رسالة طبعت قديما بمصر بتحقيق شقيق أبي البيض عبد الله سماها: (الخبر الدال، على وجود القطب والأوتاد والأبدال) قرأتها منذ أربعين سنة، فلم أجد بها حديثا أو أثرا عن القطب والأوتاد، إنما ذكر أحاديث عن الأبدال معلوم عند نقاد الحديث أنها معلة لا يصح منها شيء، وعلى فرض صحتها استئناسا باستعمال العلماء قديما للقب الأبدال، إلا أن مفهومهم له مختلف، فهم يقولون بأنه إذا توفي أحد الأبدال أظهر الله مكانه خلفه، والصوفية يقولون بأن البدل له أربعون صورة حسية يوجد في مكان ووقت واحد بتلك الصور كلها. ويسمى هذا تطور الولي، وقد ألف السيوطي كذلك رسالتين [3] في تأييد هذه الأفكوهة التي لا توجد إلا في مخيلة الصوفية.

وللشيخ أبي البيض عناية بهذا التطور بل التمثيل السينمائي، وقد ذكر في رسالة منه إلى أبي الفتوح بتاريخ (11جمادى 2 عام 1377) اشتملت على غرائب، منها أنه كان بالمدينة المنورة، وزار القبر الشريف، ورأى في منام القبر مكشوفا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم راقد فيه ووجهه مغطى، قال: فلما وقفت كشف الغطاء عن وجهه الشريف، ونظر إليّ ومد يده الشريفة، فصرت أقبلها وأبكي وأقول: يا رسول الله أدع الله أن يغفر لي، فقال لي: أنت مغفور لك، قل:

(1) الإبريز: الباب الرابع في ذكر ديوان الصالحين .. 326.

(2) جؤنة العطار 3/ 175.

(3) هما:"المعتلي في تعدد صور الولي"، و"المنجلي، في تطور الولي"، والثانية مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت