عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذُكِرَ عِنْدَهُ الْحَيَاءُ، فَقَالُوا: الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ. فَقَالَ إِيَاسٌ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قُرَّةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذُكِرَ عِنْدَهُ الْحَيَاءُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ» . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَفَافَ وَالْعَيَّ عَيَّ اللِّسَانِ لاَ عَيَّ الْقَلْبِ وَالْعَمَلَ مِنَ الإِيمَانِ وَإِنَّهُنَّ يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ وَيَنْقُصْنَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا يَزِدْنَ فِي الآخِرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَزِدْنَ فِي الدُّنْيَا» . قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَأَمْلَيْتُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ كَتَبَهَا بِخَطِّهِ ثُمَّ صَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَإِنَّهُ لَفِي كُمِّهِ مَا وَضَعَهَا إِعْجَابًا بِهَا. [1]
ولا شك أن قول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ» يدل على عظيم منزلة الحياء، وسمو مكانته، فكأنه ركن الدين الأعظم.
قال المناوي ~: (لأن مبدأه ومنتهاه يفضيان إلى تركِ القبيح، وتركُ القبيح خير لا محالة، فكان لا يأتي إلا بخير، ولأن من استحيا من الخلق قل شره، وكثر خيره، وغلب عليه السخاء والسماح، الموصلان إلى ديار الأفراح، وأشفق أن يرى أحد في دينه خللًا أو في عمله زللًا فَمِنْ ثَمَّ كان فيه كمال الدين لمصير من هو شعاره من المتقين) . [2]
وقال الطحاوي ~: (وَجَدْنَا الْحَيَاءَ يَقْطَعُ صَاحِبَهُ عَنْ رُكُوبِ الْمَعَاصِي أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا كَمَا يَقْطَعُ الْإِيمَانُ أَهْلَهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ, وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ فِيمَا ذَكَرْنَا يَعْمَلَانِ عَمَلًا وَاحِدًا كَانَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُقِيمُ الشَّيْءَ مَكَانَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَوْ شَبِيهُهُ) . [3]
(1) - رواه البيهقي في السنن الكبرى- كتاب الشهادات، باب: بيان مكارم الأخلاق ومعاليها التي من كان متخلقا بها، حديث رقم: 19358، و رواه في شعب الإيمان- حديث: 7433، والطبرانى في الكبير- حديث رقم: 15814، بسند صحيح
(2) - فيض القدير - (3/ 427)
(3) - شرح مشكل الآثار للطحاوى - (4/ 92)