إن مخالطة الفساق، ومعاشرة الرعاع، ومصاحبة أصحاب الأخلاق الرديئة، من أعظم الأسباب التي تقتل الحياء في النفوس، وتعور عين بصيرته، لإنهم لا يتورعون عن قبيح، ولا يستحيون من قول ولا فعل، وإن كان محرمًا، ومخالطة هؤلاء وأمثالهم، وعدم اعتزال البيئة الفاسدة من أعظم الأسباب التى تؤدى إلى انتزاع الحياء من قلب العبد، فإن المرء يتأثر بمن يخالط بدرجة كبيرة جدًا وقد لا يشعر بذلك.
قال طَرَفَةَ بنِ العبدِ:
عَن المَرْءِ لا تَسَل وسَل عَنْ قَرِيْنِه ... ... فكلُّ قَرِيْنٍ بالمقارن يقْتَدِي
بل إن الأخلاق الفاسدة وعلى رأسها قلة الحياء، لها أثر خطير جد خطير على صاحبها، وعلى من يخالطه فهي أفتك من الداء بصاحبه، وأسرع عدوى من الجرب كما قال الخوارزمي: [1]
لا تصحب الكسلان في حاجاته ... ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ!
عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... ... والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ
إن المبالغة في الحب - لاسيما المحرَّم منه -، حتى يصل المحب إلى درجة الوله، من أعظم أسباب فقد الحياء، بل وفقد العقل والدين، وليس في هذا أدني مبالغة، وانظر إلى مجنون ليلي وما آل إليه أمره من تقبيل الجدران، بعدما ذهب عقله بسب الغرام والحب الحرام.
قال مجنون ليلى: [2]
(1) - زهر الأكم في الأمثال والحكم - (1/ 248)
(2) - المحاضرات في اللغة والأدب - (1/ 9)