فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 89

وإذا فقد العبد الحياء فانه يستشعر الانحطاط في نفسه حتى لا يرى لنفسه فضلًا عن البهائم العجماوات بل إنه يرى نفسه أحط رتبة منها، وأدنى منها منزلة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} . [1]

وعند ذلك لا يرى لحياته قيمة، بل إنه لا يشعر بالحياة أصلًا، وهذا هو السر في أن نسبة الإنتحار في بلد كالسويد تشكل أعلى نسبة لها على مستوى العلم كما تقول الإحصائيات، مع أن أعلى معدل للدخل على مستوى العالم يتحقق في هذا البلد - أعنى السويد والسبب في ذلك هو أنهم لا يشعرون بقيمةٍ حقيقيةٍ للحياة مع أنهم منغمسون في الشهوات يتقلبون فيها ليل نهار، ينتقلون من لذة إلى لذة، ومن شهوة إلى شهوة.

وقد صور هذا المعنى الشاعر حبيب بين اوس فقال: [2]

يَعِيش المَرْءُ ما استحيَى بِخَيرٍ ... ... ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ

فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ ... ... ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُ

إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي ... ... ولمْ تستَحْي فافعَلْ ما تَشاءُ

وإذا أفتقد المجتمع الحياء بحيث تظهر الفاحشة بين أفراده، فلا ينكرها منكر ولا يتمعر لها وجه، كان ذلك نذير هلاك، وعلامة على عقاب جماعى من الله تعالى لهؤلاء الذين جاهروا بالفاحشة وأعلنوا بها، ولم يمنعهم منه دين ولا حياء وقد بَيَّنَ ذلك رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ» . [3]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُو بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ،

(1) - سورة محمد: جزء من الآية/ 12

(2) - ديوان أبي تمام - (1/ 756)

(3) - رواه البخاري- كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه - حديث رقم: 5728، ومسلم- كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه - حديث رقم: 5417

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت