فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 89

قدمنا أن الحياء صفة الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وأنه من جملة شمائلهم الشريفة، ونذكر هنا أن الحياء من جملة شرائعهم وأنه كان من عظيم وصاياهم حتى تمسك الناس به في زمن الفترة، وانقطاع الوحى، ودروس العلم، وذلك لعظيم منزلته وارتفاع مكانته في سائر الشرائع.

فَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» . [1]

قال الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله: فقد بَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أن الحياء لم يزل مستحسنًا في شرائع الأنبياء الأولين وأنه لم يرفع ولم ينسخ في جملة ما نسخ الله من شرائعهم بل تداوله الناس بينهم وتوارثوه عنهم وتواصوا به قرنًا بعد قرن. [2]

واختلف العلماء في المراد بالحديث هل هو الأمر المجرد بفعل مالا يستحى العبد من فعله لأنه لا أثم فيه ولا حرج في إتيانه أم أن المراد به التهديد والوعيد لمن لا حياء له يمنعه من مواقعة الذنوب.

قال الخطابى ~: الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذى يكف الإنسان عن مواقع الشر هو الحياء فإذا تركه صار كالمأمور طبعًا بارتكاب كل شرٍ.

وقال النووى ~: الأمر فيه للإباحة أي إذا أردت فعل شئ فإذا كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فأفعله وإلا فلا وعلى هذا مدار الإسلام. [3]

وقال ابن رجب ~: وقوله إذا لم تستح فاصنع ما شئت في معناه قولان أحدهما أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء ولكنه على معنى الذم والنهى عنه وأهل هذه المقالة لهم طريقان أحدهما أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد والمعنى إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك عليه كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

(1) - رواه البخاري- كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار - حديث: 3314، ورواه الإمام أحمد في مسنده رقم 17027

(2) - الحياء خلق الإسلام- ص/ 22

(3) - فتح البارى- 10/ 540

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت