عن عبد الواحد بن زياد الأفريقي، حدثني أبي قال: سمعت شيخًا من أهل العلم يقول: كان عندنا فتىً متعبد، حسن السيرة، فأحبته جارية من قومه، وجعلت تكاتم أمرها مخافة العيب، فمكثت بذلك حينًا، فلما بلغ الحب منها أرسلت إليه بكتاب وضمنته هذه الأبيات:
تَطَاولَ كِتماني الهَوَى، فأبادَني ... ... فأصبَحتُ أشُكو ما ألاقي من الوَجد
فأصبحتُ أشكو غُصّةً من جَوى الهوَى ... ... أقامَت، فما يَعدو إلى أحدٍ بَعدي
فهَا أنا ذا حَرّى من الوَجدِ صَبَّةٌ ... ... كثيرَةُ دَمعِ العَينِ، يجرِي على خَدّي
قال: فأقبلت به امرأة فقال: ما هذا؟ قالت: كتاب أرسلني به إليك إنسان. قال: سميه قالت: إذا قرأته سميت لك صاحبه، فرمى به إليها، وأنكره إنكارًا شديدًا، فقالت له: ما يمنعك من قراءته؟ قال: هذا كتاب قد أنكره قلبي، فلم تزل به حتى قرأه، فرفع رأسه إليها، فقال: هذا الذي كنت أحذر وأخاف، ثم دفعه إليها. فقالت: أما له جواب؟ قال: بلى قالت: وما هو؟ قال: تقولين لها: {إِنّهُ يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى اللّهُ لآ إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ} . قالت: لا غير؟ قال: في هذا كفاية. فمضت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
يا فارغَ القَلبِ من همّي وَمن فِكَرِي ... ... ماذا الجَفاءُ، فدتكَ النفسُ يا وَطَرِي؟
إنْ كُنتَ مُعتَصِمًا باللهِ تَخدمُهُ ... ... فإنّ تَحلِيلَنَا في مُحكَمِ السُّوَر
فلما وصل إليه الكتاب قال: ما هذا؟ قالت: تقرأه، فأبى، فلم تزل تلطف به حتى فتحه، فقرأه، ثم رمى به إليها. فقالت: ما له جواب؟ قال: بلى قالت: ما هو؟ قال: قولي لها: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} . فصارت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
فَرّجْ عن القلبِ بعضَ الهَمّ وَالكُرَبِ ... ... وَجْدُ بوَصلِكَ، وَالهِجرانَ فاجتَنِب
إنّا سَألنَاكَ أمرًا مَا نُريدُ بِهِ ... ... إلاّ الصّلاحَ، وَأن نَلقاكَ عن قُرُب
فإنْ أجَبتَ إلى ما قَد سألتُ، فَقَدْ ... ... نِلتُ المُنى، وَالهَوَى، يا منتهَى أرَبي