الحياء نوعان حياء جبلى فطرى وحياء مكتسب وقد دل على ذلك قول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأَشَجِّ بْنِ عَصَرٍ - رضي الله عنه: «إِنَّ فِيكَ خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْتُ مَا هُمَا قَالَ الْحِلْمُ وَالْحَيَاءُ قُلْتُ أَقَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَمْ حَدِيثًا قَالَ بَلْ قَدِيمًا قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا» . [1]
والشاهد من الحديث هو إقرار النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأَشَجِّ بْنِ عَصَرٍ - رضي الله عنه - على قوله: «أَقَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَمْ حَدِيثًا» .
ومن الشواهد كذلك على أن من الحياء حياء جِبِلِّى مارواه الإمام أحمد في الزهد عن أبى كعب - رضي الله عنه - أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: إن آدم عليه السلام كان رجلًا طوالًا وفيه فناداه ربه عز وجل «أمنى تفر» قال: «أى رب ألا أستحيك» ؟
وتقدم الحديث بطوله في الكلام على (الْحَيَاءُ خُلُقُ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) .
قال ابن رجب الحنبلى ~: وأعلم أن الحياء نوعان:
أحدهما: ما كان خلقًا وجبلةً غير مكتسب وهو من أجَلِّ الأخلاق التى يمنحها الله العبد ويجبله عليها ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - «الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ» فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها فهو من خصال الإيمان بهذا الإعتبار وقد روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال من استحيا اختفى ومن أختفى اتقى ومن اتقى وقى.
وقال الجراح بن عبد الله الحكمى وكان فارس أهل الشام: تركت الذنوب حياءً أربعين سنة ثم أدركنى الورع.
وعن بعضهم قال: رأيت المعاصى نذالةً فتركتها مروءةً فاستحالت ديانةً.
النوع الثانى: ما كان مكتسبًا من معرفةِ اللهِ، ومعرفةِ عظمتهٍ، وقربهِ من عبادهِ، واطلاعهِ عليهم، وعلمهِ بخائنةِ الأعينِ، وما تخفى الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو أعلى درجات الإحسان. [2]
وقال ابن حبان ~: الحياء اسم يشتمل على مجانبة المكروه من الخصال، والحياء حياآن:
أحدهما: استحياء العبد من الله جل وعلا عند الاهتمام بمباشرة ما حظر عليه.
(1) - رواه أحمد- حديث رقم: 17755، و ابن ماجه - كتاب الزهد، باب الحلم - حديث رقم: 4186
(2) - جامع العلوم والحكم- ص/ 244