واحد، قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ) {آل عمران/19} ، فكان الهُدى هو القاسم المشترك بين جميع رسالات الله تعالى لأنبيائه.
ولم يحتج القرآن بنبي الله نوح عليه السلام، لأن البشرية قد هلكت قبله إلا المؤمنين، ثم تبعهم قوم هود وقوم صالح، وهلك قومهما، فمرت البشرية قبل مجيء نبي الله إبراهيم بمراحل تطهيرية، فلما جاء نبي الله إبراهيم كانت بداية العمران في الأرض وزيادة النسل، ومن ثم دعت الحاجة إلى أن يتعاصر الأنبياء في الزمن الواحد، فكان في عصر إبراهيم عليه السلام نبي الله لوط، ونبي الله إسماعيل واسحق، وظلت الرسل تتوالى من بعده حتى جاء موسى ثم جاء عيسى عليهما السلام، قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) {الأنبياء /23} .. (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) {الأنبياء/31} ... (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) {الأنبياء/45} ، فلو رجعنا إلى الأصل لعلمنا أن بناء إبراهيم عليه السلام للبيت ورفع قواعده ليصبح معلما لمركز الإسلام في الأرض، حوَّل التطهير المادي للكون إلى تطهير معنوي، ومن ثم أضحت البشرية بحاجة إلى أن تفد هذا البيت لتتطهر من الذنوب والمعاصي، ولم تنزل عقوبة عامة بعد ذلك إلا بأقوام مخصوصين كقوم لوط وقوم فرعون ... أما بعد نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم فقد تغيرت سنة الله تعالى في طريقة إهلاك الظالمين، فعن خباب بن الأرت قال (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها، قالوا يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها) [1] ، فقد كفى الله تعالى هذه الأمة بأس أهل الكتاب، ولا يزال بأسها فيما بينها.
(1) رواه الترمذي ج 8 ص 85 رقم 2101 وصححه الألباني: انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي ج 5 ص 176