ولن يقبل الله تعالى من أحد إيمانا إلا أن يسلم بدين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا يحتج باتباعه لدين إبراهيم عليه السلام، قال تعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران/68) ،وقد فهم عمر بن الخطاب الصلة بين نبي الله إبراهيم ونبي الله محمد صلى الله عليه وسلم من خلال فهمه لعبادة الحج - وهو محدث هذه الأمة -، وأن عبادة الحج تؤكد هذه الصلة، وتنفي عن المسلمين تبعيتهم لليهود والنصارى، إذ يقول - رضي الله عنه - (ليمت يهوديا أو نصرانيا يقولها ثلاث مرات رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله) [1] .
وبالرغم من ذلك فقد استمروا في محاجاة المسلمين في دينهم، وسوف يزالون على ذلك، والقرآن لا يريد أن يتطرق إلى الرد عليهم، وإنما أوكل الأمر لله تعالى، وأظهر لنا سبب مجادلتهم لنا، وأنهم يدركون أنهم على الباطل وأن الإسلام حق، ولكنهم يكتمون الشهادة بذلك، وعليه تكررت الآية بشأن الاحتجاج بالانتساب للأنبياء، والأولى بالاتباع منهم، لتبدأ صفحة العمل من جديد بشرع جديد ونبي هو خاتم الأنبياء، ومن لم يتبعه فليس من الإسلام في شيء.
ثم انتقلت الآيات إلى الحديث عن شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لتفرد شوطا توضح فيه تطبيق سنة الله تعالى الكونية في الاستبدال والاستخلاف، فتوضح أحقية أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حمل أمانة هذا الدين، وأن الله مستخلفها محل بني إسرائيل الذين تنكبوا عن تنفيذ وصية أبيهم إبراهيم ويعقوب واسحق، وهو ما يستتبع الإيذان للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتميز في شعائره عن شعائرهم، وعبادته عن عبادتهم، وفي أخلاقه عن أخلاقهم،
(1) رواه البيهقي في سننه الكبرى موقوفا على عمر بن الخطاب ج 4 ص 334 رقم 8923 وحسنه الألباني موقوفا، وقال: هذا إسناد حسن، رجاله ثقات؛ غير عبد الله بن نعيم؛ ذكره ابن حبان في"الثقات"، وقد روى عنه جمع آخر من الثقات، ووثقه ابن نمير. ولم يعرفه ابن معين فقال:"مظلم"! يعني: أنه ليس بمشهور؛ كما قال البناني.
ثم روى العدني: حدثنا هشام عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان - مولى لنا - عن عبد الله بن المسيب بن أبي السائب أنه سمعه يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول ... فذكره نحوه، وهذا إسناد رجاله ثقات"الصحيح"؛ غير سليمان هذا؛ فلم أعرفه، وفي شيوخ ابن جريج ممن يسمى سليمان كثرة، ولا يبعد أن يكون هو سليمان بن موسى الأموي مولاهم الدمشقي، صدوق في حديثه بعض لين، فإن كان هو؛ فالسند حسن أيضا. والله أعلم.