فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 123

فأشارت إلى محاولة السفهاء من اليهود والمنافقين خداع هذه الأمة وحملها على اتباع سنة اليهود والنصارى في أي شيء سواء في العبادات أو في العادات، حتى إنهم لينكرون على النبي صلى الله عليه وسلم مخالفته لهم في شأن العبادات، فكان تمييز أمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأمم واجبا حتى تتميز شعيرة الإسلام عن غيره من الشرائع المحرفة والمبدلة والمبنوذة والمضيعة بحسب أهواء الذين ظلموا، فأضحت مخالفتهم سنة نبوية وعبادة يتقرب بها إلى الله، سواء في أمر القبلة أو في العبادات عموما، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صلوا في نعالكم ولاتشبهوا باليهود) [1] ، أو في المظهر فعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) [2] ، وكذلك في الأخلاق.

كما تناولت سبب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة، وفيه دلالتان، الأولى هو تخلص العرب من ارتباطهم بالبيت الحرام ارتباط القومية والعصبية والقبلية، فجعل الله قبلة المسلمين الأولى بيت المقدس ليتخلص المسلمين من حبهم وارتباطهم القبلي للبيت الحرام، ثم إذا شاء الله أن يكون البيت الحرام قبلتهم كان ذلك عن عقيدة راسخة وليس عن تعصب قبلي [3] ، والدلالة الثانية تمثلت في الإشارة إلى اختلاف أحكام الإسلام وشرائعه عن شريعة من قبلنا، بما يؤدي إلى نسخ شريعتهم بشريعتنا واستبدال شريعتنا بشريعتهم، باعتبار أن هذه الأمة انتهجت نهجا وسطا بين أمة موسى التي اشتهرت بقتل الأنبياء، وأمة عيسى التي اشتهرت بعبادة الأنبياء، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبعت نبيها واقتدت بهديه، واستقبلت قبلته، ولم تزد على ذلك، ولم تتخلف عن ذلك، مع ضرورة الفهم الجيد لمسألة النسخ هذه، حيث لا يطول النسخ عقائد المسلمين وأخلاقهم، وإنما الذي يتبدل هو الأحكام العملية التي تحقق المقصد من استخلاف الأمة في الأرض، بما يتناسب مع تغير الناس والزمان والمعاش، وبما يحقق ذات مقاصد الدين في حفظ الشريعة الإسلامية سواء من العدم أو من جانب الوجود، وكذا الحال بالنسبة لشرع ما قبلنا، حيث يحفظ على الناس ضرورياتهم ومعاشهم، ويحفظ دينهم ودنياهم،

(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 7 ص 290 رقم 7180 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 724 رقم 7238

(2) رواه البخاري ج 18 ص 249 رقم 5442

(3) انظر في هذا المعنى صاحب الظلال ج 1 ص 130 - 132

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت