الأسس الإدارية التي تقوم عليها الدولة للقيام بهذا الواجب عملا بالقاعدة الشرعية ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، فأجابها القرآن بما يشفي حاجتها، ذلك أن انهيار نظامها الإداري يستتبع انهيار نظامها السياسي، ومن المعلوم أن النظم الإدارية تنهار بالفساد وانتشار الرشاوى، وعدم الانضباط في العمل، وعدم وجود النظام الجمعي والنقابي الذي ينظم طائفة المنضمين للنظام والاجتماع السنوي أو شبه السنوي، وأخيرا انعدام الرقابة والمحاسبة القائمة على أسس موضوعية دون اعتداء على مبدأ الخصوصية والحريات الشخصية، وهو عين ما قامت به الآيتين (188 - 189) حيث أرست دعائم قيام النظام الإداري في الدولة المسلمة من خلال ما يلي:-
أولا: إغلاق دائرة تسريب المال العام بتجريم كل كسب غير مشروع، وهو ما يسميه القرآن بالباطل، (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ) ، فيكون تداول المال من يد إلى يد دون منفعة مشروعة متحققة، فيكون باطلا، وهو ما يخالف سنن الفطرة، تأمل قوله تعالى (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) ، فلابد من أن تجر كل حركة في هذا الكون إلى منفعة مشروعة، أما إذا جر إلى منفعة غير مشروعة فلا يزال مسمى الباطل يلحقه، وهو ما يعني من جهة أخرى أن الموظف العام لا يتقاضى لقاء وظيفته إلا بقدر ما يبذله من عمل، فإن كان الموظف متوليا لولاية عامة، فإنه يأخذ من بيت المال ما يكفي حاجته فحسب دون زيادة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، قال أبو بكر أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق) [1] .
ثانيا: حظر انتفاع الموظف العام من وظيفته، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم لما استعمل رجلا من بني أسد يقال له ابن الأتبية على صدقة، فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا
(1) رواه أبو داود في سننه ج 8 ص 171 رقم 2556 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 1144 رقم 11432