والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ألا هل بلغت ثلاثا) [1] .
ثالثا: ضبط مواقيت الناس على أسس موحدة سواء في العبادات اليومية كالصلاة أو الشهرية كالصيام أو السنوية كالحج، وهو ما يستتبع ضبط جميع مواقيتهم في العمل سواء أكان مدنيا أم عسكريا، كالأشهر الحرم، فيكون التقويم بالأشهر القمرية وهو ما نسميه بالتقويم الهجري، الذي به يُستبان دخول رمضان، ودخول أشهر الحج، ودخول الأشهر الحرم، والتي يحرم فيها القتال إلا ردا للعدوان الذي لا يؤقت بوقت معين، بما يحقق دفع الصائل وفقا لقواعد الدفاع الشرعي، وهو الأمر الذي يوجب احترام هذه المواقيت، وهو ما يجعل الدولة تسير كما يسير الكون بدقة وانتظام واطراد، قال تعالى (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس/40) .
رابعا: تنظيم الأعمال وهو ما أشارت إليه الآيات في أصعب وأعظم عمل يحتاج إلى تنظيم وهو القيام بشعيرة الحج، فما الذي يلزم لإتمام هذه الشعيرة، أولا تنظيم رحلات إلى مركز الكرة الأرضية من كل بقاع العالم، وهو ما يعني تنشيط السياحة خلال فترة زمنية قصيرة، أي خلال شهر ذو الحجة، ثم تنظيم الطواف حول بيت الله الحرام، وهو ما يتطلب حركة عدد هائل من الحجاج يصل إلى الملايين حول بقعة من الأرض لا تزيد مساحتها عن عشرة أمتار مربعة، وذلك لإتمام ثلاث شعائر في هذه الفترة الزمنية القصيرة (طواف القدوم) ، (طواف الإفاضة) ، (طواف الوداع) ، فضلا عن السعي، ثم تنظيم الحركة من مكة إلى منى ثم إلى عرفة وهي مسافة تصل تقريبا إلى عشرة كيلو مترا أو يزيد، ثم تنظيم الحركة إلى المزدلفة ليلا لهذا العدد الهائل من البشر، والأهم من ذلك كله القدرة على إنشاء مجتمع بشري يصل عدده إلى عشرات الملايين ليخيم في أرض منى التي تصل مساحتها إلى ما يقرب من اثنين كيلو متر مربع تقريبا، وهو أمر في غاية الصعوبة، فيعيشون عليها ثلاثة أو أربعة أيام يؤدون فيها مناسك رمي الجمرات، كل ذلك وهم في حاجة إلى الأكل والشرب والخلاء والنوم، والمكان لا يستوعب ذلك كله، وهم في إطار من ضبط النفس وحسن الخلق والتحلي بالصبر، بما نسميه (محْرِما) ، فإذا استطاع المسلمون فعل ذلك فإنهم قادرون على تنظيم أي شيء آخر.
(1) رواه البخاري ج 22 ص 100 رقم 6639