يبدأوا هم بالقتال فيه، ومن ثم يجب قتالهم لأن دم المسلم أقدس عند الله تعالى من قدسية المسجد الحرام، الأمر الذي يستفاد منه أن حفظ الدين وإن كانت مرتبته أعلى من حفظ النفس، فإن حفظ النفس علة فاعلة لحفظ الدين، فإذا ما استبيحت دماء المسلمين، فقدسية المكان لا تحول دون رد العدوان.
وبالرغم من ذلك فقد أمرت الآيات بكف اليد عنهم حال انتهاء العدوان، فلا يجوز التشفي في أعداء الله تعالى، ولا استذلالهم انتقاما منهم، وإنما كان قتالهم لعلة، فلما انتفت العلة سقط الحكم في استمرار قتالهم، وإن جاز قتل مجرمي الحرب منهم لا لعلة القتال، وإنما تطبيقا لحد الحرابة، كما بينت مسألة غاية في الأهمية، وهي أن الحكمة من قتالهم وإن كانت في صورتها الأولى رد العدوان ومنعهم من فتنة المسلمين في دينهم، فإن غايتها الكبرى أن يكون الدين لله، وهو ما أكدته سورة الأنفال (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) {الأنفال/39} ، إلا أن كلا السورتين حدَّت لهذا القتال حدا موضوعيا، ألا وهو أن ينتهي الذين كفروا عما هم فيه من عدوان، وإن كان الأمر في سورة البقرة أوضح، فإنه في سورة الأنفال ذكر على سبيل التمريض (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وكأن سورتا الأنفال والتوبة تقولا لهم أفلح -هؤلاء - إن صدق - أو صدقوا -، وهو ما يعني أن سورة البقرة ترسم للدولة المسلمة دستورها في القتال، الأمر الذي يعتمد على التنظير والتقعيد بتشريع دستوري إلهي فريد، وكانت سورة الأنفال وكذا التوبة تكشفان للمسلمين وقاعهم، وكأنهما عينان للمسلمين عليهم.
واحتراما من الإسلام للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحض على السلام احترم الإسلام اتفاق العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على تخصيص أربعة أشهر من كل عام يحرم فيها القتال، حتى يتفرغوا لشغلهم وتجارتهم، بيد أن ذلك مرهون باحترام غيرنا اتفاقهم معنا، فإن هم خرقوه، فليعلم المسلمون أن حرمة القتال في هذه الأشهر لم يكن إلا احتراما من الإسلام للعهود والمواثيق التي تحض على الخير، وليس لقدسية أشهر دون أشهر، ومن ثم يجب رد عدوانهم متى بدأ منهم، لكن يتعين أن يكون ذلك بقدر المماثلة، فلا يحيف المسلمون عليهم