مراحل، تبدأ بإظهار منفعتها ومفسدتها وبيان أن مفسدتها أكبر، ولذلك تلتها آية سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ، فامتنع الصحابة عنها بين الصلوات حتى لا يؤدي السكر إلى فساد العبادة، وهو أمر يكاد يتعذر معه تنظيم الأمرين معا حتى لا يتعارضا ثم نزل القطع بمنعهما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة/90 - 91) .
فإذا ما تطهرت إيرادات الدولة عن مصادر الإثم أحل العمل والإنتاج محلهما، ومن ثم ظهرت إيرادات جديدة لم تكن موجودة بسبب الانشغال بالخمر والميسر وما من نوعهما، لكن بين التطهير والإحلال مرحلة إنتقالية لابد من أن تمر بها الدولة، حيث تقل الإيرادات، ويقل الإنفاق، ومن ثم فإن ترشيد الإنفاق في هذه المرحلة هام لتجاوز مرحلة التطهير وإعادة الهيكلة.
ومن ثم يأتي الأصل الثاني لضبط الميزانية العامة للدولة، وذلك من خلال ترشيد الإنفاق، ذلك أن إنفاق الدولة سواء للزكاة أو غيرها ينصرف إلى المحاويج أولا، فإذا قلت إيراداتها فإن نفقاتها لن تلبي حاجاتهم، ومن ثم دعت الحاجة للرد على التساؤل ماذا ينفقون؟ حال تطهير إيرادات الدولة من الآثام وقلة مواردها، قال ابن عاشور (ومناسبة التركيب أن النهي عن الخمر والميسر يتوقع منه تعطل إنفاق عظيم كان ينتفع به المحاويج، فبينت لهم الآية وجه الإنفاق الحق، ... فالمعنى أن المرء ليس مطالبا بارتكاب المآثم لينفق على المحاويج، وإنما ينفق عليهم مما استفضله من ماله، ... وهذه حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني) [1] .
يقول الشنقيطي صاحب البيان (القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها) [2] ، وكذا يقول صاحب الظلال (العفو: الفضل والزيادة فكل ما زاد على النفقة
(1) التحرير والتنوير ج 2 ص 333
(2) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 1 ص 10