فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 173

كأنّ السّكاكي نظر إلى الآية من الوجه الثاني من الإعراب، ورأى أن محل الإنكار، وموضع العناية، والغرض من الكلام، هو الجار والمجرور"لله"، لذا قُدّم؛ ليكون الزجر أقوى، والتحذير أشدّ.

ولكن يمكن توجيه الاعتراض، قائلا: إن الإنكار التوبيخي الذي من أجله سيقت الآية، يتعلق بهما جميعا لا بأحدهما [1] ، أي لا يجوز تعلق"جعلوا"بالله منكرا من دون اعتبار تعلقه بشركاء، وكذلك تعلق"جعلوا"بشركاء، من غير اعتبار تعلقه بالله مُمْتنع [2] .

إذن؛ فمتى قُدّم أحدُهما بمراعاة الاعتبارين على الآخر، لا يصح تعليل ذلك التقديم بالعناية كما ذهب إليه القزويني، «وهذا نقد وجيه نحمده للقزويني، ومنه ندرك إلى أي مدى كان السّكاكي واهما» . [3]

إذن؛ فتخريج السكاكي تخريج جزئي، فكان يجب عليه؛ اعتبار السياق العام، وأخذ الاعتبارات بعين الاعتبار، في تخريج هذه الآية، لئلا يعلّل جزءا، أو كلمةً، ثم يعمّم الحكم على الكل، وهذا هو الذي وقع فيه في هذا التخريج.

3 -نص السكاكي في التقديم لوجود مانع من التأخير

قال السكاكي في أوجه التقديم للعناية بعد ذكر كونه نصب عينك: «ومنها أن قال في موضع من سورة المؤمنين: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [4] فذكر المجرور بعد صفة الملأ وهو موضعه كما تعرف، وفي موضع آخر منها: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، [5] فقدم المجرور لعارض صيّره بالتقديم أولى وهو أنه لو أخر عن الوصف

(1) - ينظر؛ خصائص التعبير القرآني، المطعني، المرجع السابق، 2/ 100.

(2) - ينظر، الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني، المرجع السابق، ص:140.

(3) ــ ينظر، خصائص التعبير القرآني، المطعني، المرجع السابق، 2/ 100.

(4) ــ سورة المؤمنون، الآية/24.

(5) ــ سورة المؤمنون، الآية/33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت