فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 173

ولكن ما ذكره السكاكي هو التعليل الصحيح؛ لتقديم"من قومه"، فإنما قدّم فيها لأنه لو أُخِّر عن هذه الآية، لأتى بعد قوله:"وأترفناهم في الحياة الدنيا"، وهذا يُوهم تعلّقه بالدنيا، وهو على بعده كافٍ في إيثار تقديمه على تأخيره. [1]

لقد قُدّم الجار والمجرور"من قومه"، على الموصول"الذين كفروا وكذّبوا ..."، لأنه لو أخِّر وقيل:"وقال الملأ الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا من قومه"، لتُوُهّم أن الجار والمجرور من صلة الدنيا، وأن المعنى: وأترفناهم في الحياة الدنيا من قومه، أي القريبة منهم، وبهذا يكون القائلون ليسوا من قومه، فدفعًا لهذا التّوهّم قُدّم الجار والمجرور، وهذا التّوهّم قد نشأ من طول الصلة، ولذا عندما قُصّرت الصلة في غير هذا المقام، كقوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ... تأخّر الجار والمجرور"من قومه"، إذ ليس في الآية عندئذ ما يُوهم خلاف المراد. [2]

و يذهب الزركشي [3] إلى مذهب السكاكي، شارحا مذهبه بقوله: «وجعل السكاكي من الأسباب كون التأخير مانعا، مثل الإخلال بالمقصود، كقوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، بتقديم الحال أعني"من قومه"على الوصف، أعني"الذين كفروا"ولو تأخر لتوهّم أنه من صفة الدنيا، لأنها ها هنا اسم تفضيل، من الدنوّ، وليست اسما، والدنوّ يتعدى ب-"من"، وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم هم: من قومه أو لا؟، فقدّم لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود، وهو كون القائلين من قومه، وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير، قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} ، بتأخير المجرور عن صفة المرفوع» . [4]

(1) ــ ينظر؛ البلاغة العالية علم المعاني، الصعيدي، المرجع السابق، ص:85.

(2) ــ ينظر؛ من بلاغة النظم القرآني، بسيوني، المرجع السابق، ص:70 ــ 71.

(3) ــ هو الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، ولد بالقاهرة سنة: 745 هـ، من مصنفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، البرهان في علوم القرآن، تفسير القرآن، وغيره، ينظر؛ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر العسقلاني، المرجع السابق، 3/ 397 ــ 398.

(4) - البرهان في علوم القرآن، الزركشي، المرجع السابق، 3/ 234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت