وافيا فهو الإيجاز، وإن زاد على ذلك لفائدة اقتضت تلك الزيادة؛ فهو الإطناب». [1] وعندما خالف القزويني السكاكي في المنطلق لم يكن غريبا أن يخالفه في تعريف الإيجاز والإطناب، وفي عدم عد المساواة من البلاغة.
والحق في هذا الاعتراض أن نص السكاكي فيه شيء من الضبابية كما قال شوقي ضيف: «قد يفضي - من بعض الوجوه - إلى أن المساواة لا تعد قسما ثالثا في الباب» . [2] بل هو كلام صريح على خروج المساواة من البلاغة، وذلك أنه ربط المساواة بكلام العوام وجعل كلام السوقة ميزانا يقاس عليه الإيجاز والإطناب، فنزل بهما إلى أدنى المستوى في البلاغة، هذا؛ و «الاتفاق على متعارف الأوساط، أمر من الصعب تحديده ليقاس عليه، وذلك لاختلاف الناس في هذا المتعارف وتعدد الأغراض والأهداف التي ترسم الأسلوب الذي يقاس عليه الإيجاز والإطناب» [3] من هنا يعلن محمد الجرجاني قائلا: «وقد أحسن المعاصر - يعني القزويني - في قوله"إنه أساء في ذلك - أي تعليق هذا الباب على متعارف الأوساطـ - لكونه ردّ إلى جهالة، فيكون من باب تعريف الشيء بما هو أخفى» . [4] "
وقد يزول هذا الضباب عند ما نفهم أن مذهب السكاكي هو إخراج المساواة من البلاغة، إذ قال: «وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم ولا يذم» [5] . وهذا المذهب لم يقتصر عليه وحده، بل ثمت بعض البلاغيين يرون إلغاء باب المساواة لأنه لا يسمن ولا يغني من جوع في البلاغة، ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك فينكرون وجود المساواة، ذاهبين إلى أن الكلام إما إيجاز وإما إطناب، يقول ابن أبي الأصبغ:
(1) ــ مقاييس البلاغة بين الأدباء والعلماء، حامد صالح الربيعي، المرجع السابق، ص: 572.
(2) - البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، المرجع السابق، ص:344.
(3) ـ أساليب بلاغية، أحمد مطلوب، المرجع السابق، ص: 245.
(4) ــ الإشارات والتنبيهات، محمد الجرجاني، المرجع السابق، ص:131.
(5) ــ مفتاح العلوم، السكاكي، المرجع السابق، ص:276.