وخلاصة القول، أننا لا نقول أن إتيان الأديب شاعرا كان أو كاتبا، بالألفاظ على قدر المعاني محال، ولكن إذا انطلقنا من القاعدة التي ترى أن الألفاظ رموز لمعان نتصورها، التي قررها دكتور شوقي ضيف بقوله: «إن الكلمات ليست إلا رموزا تؤدي بها ما في أنفسنا، وهي رموز ناقصة، لا يستطيع الإنسان أن يضبط مدلولاتها، أو يحددها، إلاّ ما اتصل منها بالأعلام وأسماء الأماكن، أما ما يتصل منها بالمعنويات والعواطف؛ فإنه غير مضبوط ولا محدود» ، [1] ووافقه عليه كثير من علماء اللغة الحديثة، إذا انطلقنا من هذه القاعدة؛ سوف نقرر أنه صعب إتيان المساواة في باب الأدب، فالألفاظ أو اللغة عاجزة عن التعبير عما يجيش في صدر المتكلمين لاسيما الأدباء منهم، من هنا لعل الصواب إخراج المساواة من البلاغة، كما رأى السكاكي، إذ هي الأصل، والأصل هو الإتيان بالألفاظ على قدر المعاني، فكل متكلم عادي يسعى حثيثا إلى ذلك، ويتخذ كل سبيل موصل إلى هذا الهدف المقصود - وقلما يصل -، فطالما البلاغة لا تبحث عن الأصل، بل هي تجري وراء العدولات التعبيرية المقصودة، وزد على ذلك فقدان الجمالية والفنية في كثير مما يسمونه بالمساوات.
ونخلص من خضم هذا النقاش مقررين، أن السكاكي انحرف وحاد عن الطريق الذي رسمه لمعالجة مباحث علم المعاني، المتمثل في مطابقة أحوال الجملة لمقتضى الحال، فراح يقيس جميع أحوال الجمل ويختبرها تحت"المطابقة لمقتضى الحال"إلى أن وصل إلى باب الايجاز والإطناب، فنراه يحيد عن البحث عن الأحوال التي تطابق كل من الإيجاز والإطناب والمساوات لمقتضى الحال، مع أن هذا هو الغاية من الدراسة، ولكن نصب اهتمامه إلى الكيفيات والوسائل التي يتحقق بها الإيجاز والإطناب والمساوات، غافلا البحث عن الأحوال المقتضية لاستعمال كل واحد منها، وكان حريٌ بالقزويني أن يوجه اعتراضه إلى هذا وينبه عليه، ولكن فإذا هو يحيد كما حاد أستاذه ليناقشه في الوسائل والكيفيات، من هنا يرى حامد صالح الربيعي، أن هذا الاعتراض ضرب في الهواء من قبل السكاكي والقزويني على حد السواء
(1) ــ د. شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، ط/ 13، ت. بدون، ص: 242.