الكناية البعيدة: هي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بواسطة، أو بوسائط، نحو"فلان كثير الرماد"كناية عن المضياف، والوسائط هي الانتقال من كثرة الرماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ، ومنها إلى كثرة الضيوف، ومنها إلى المطلوب، وهو المضياف الكريم. [1]
فانطلق القزويني من هذه القاعدة فاعترض على إطلاق السكاكي"البعيدة"على كناية"حي، مستوى القامة، عريض الأظفار"مع أن الانتقال فيه لا يكون بواسطة، ومن شروط الكناية البعيدة - كما تقرر في القاعدة هذه وما قبلها - أن ينتقل فيها بواسطة أو بوسائط، وكان الأمر هنا خلاف ذلك.
وإذا تقرر هذا كله، فالمسألة واضحة إذ كل من"المضياف"و"حي، مستوي القامة، عريض الأظفار"، مفتقر إلى واسطة، فهما كنايان قريبان، وهذا هو المذهب المشهور بين البلاغيين في إطلاق مصطلحي"القريبة والبعيدة"، وهو الذي ينبغي الأخذ به.
ومشكلة السكاكي أنه تكلّف هذا التقسيم للكناية - أي تقسيم الكناية المطلوب بها الموصوف إلى القريبة والبعيدة ــ، ثم حاول صنع شواهد لها بأي طريقة كانت، فاعتراض القزويني فيه دلالة على إنكار قسم البعيدة، إذ قرر أن الشاهد الذي استشهد به السكاكي فيها، ليس للكناية البعيدة، ويؤيد حامد صالح الربيعي [2] الخطيب القزويني ذاهبا إلى أنه لم يورد أحد من البلاغيين شاهدا أدبيا للكناية المسمى بـ-"الكناية البعيدة"، وأنه مصطنعة ومتكلّفة، ولا أدل على ذلك من عدم وجود شواهد أدبية لها، لذا «الأولى أن توصف الكناية البعيدة بأنها متكلفة» ، [3] وتحذف من باب الكناية ما دام لم توجد لها الشواهد، وكل هذا جراء المنهج الذي اختاره السكاكي لدراسة البلاغة، الذي هو وضع القواعد
(1) - ينظر، جواهر البلاغة، السيد أحمد الهاشمي، المرجع السابق، ص: 372.
(2) - لم أقف على ترجمته.
(3) - مقاييس البلاغة بين الأدباء والعلماء، حامد صالح، المرجع السابق، ص: 658.