استعارة أم مجازا، بل هي تكتسب بلاغته وبراعته من خلال ملابساته وسياقاته المسمى عنده ب-"النظم". [1]
وبالمثال يتضح المقال، فلنضرب مثلا بآية قرآنية ديدن البلاغيين التمثيل بها في المجاز المرسل، وهي قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [2] ، يقول بكري شيخ أمين [3] في تحليل المجاز المرسل في هذه الآية، قائلا: «الخمر لا تعصر، وإنما يعصر العنب، فيكون منه الخمر في مستقبل الأيام، بعد عمليات مختلفة، ولما كان بين العنب والخمر علاقة هي المستقبلية، صح استخدام كلمة"الخمر"، مكان كلمة"العنب"، على سبيل المجاز المرسل، ذي العلاقة المستقبلية أو اعتبار ما سيكون» [4] ، وقد اعترف بوجود العلاقة بين الخمر والعنب، التي سببت جواز استخدام إحداهما مكان الآخر، إذن؛ ليس المجاز المرسل في كلمة"الخمر"، وإنما هو في الخمر وسوابقها ولواحقها من الألفاظ، وخاصة كلمة"أعصر"التي أحدثت جدلية بين الكلمة الحاضرة"الخمر"والغائبة"العنب" [5] .
(1) ــ عرّفه بأنه"ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم"، ينظر، دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، المرجع السابق، ص:391 - 392.
(2) - سورة يوسف، الآية/ 36.
(3) - هو صاحب سلسة"البلاغة العربية في ثوبها الجديد، علم المعاني ـ علم البيان ـ علم البديع"، ولم أقف على ترجمته.
(4) - البلاغة العربية في ثوبها الجديد، د. بكري شيخ أمين، المرجع السابق، 1/ 94.
(5) - ومن الطّريف في الآية؛ ما فطن إليه الدّكتور صواليحو كوني مناقش هذا البحث، أنّه ينبغي النّظر إلى هذه الآية من باب"الحلم"ذاهبا إلى أنّ لغة الحلم لغة رمزية لا مجازية، وهي مستعصية للعقل، ويبدو أنّ البلاغيين أدخلوا العقل هنا، وفسّروا الآية بدلا من تأويلها، ولذا حوّلوها إلى لغة مجازية لاستحالة عصر السّائل وهو الخمر، وأقاموا محله العنب، لأنّه متى قال القائل:"إنّي أراني أطير في السّماء"في الحلم، سنحكم عليه أنّه سيسافر في الطّائرة، مع أنّ الطّيران في السّماء ممكن حلما، والغريب أنّهم أوّلوا بقية آيات الحلم الواردة في السّورة، إلاّ هذه الآية التي فسّروها، والأنسب هو تأويلها، لأنّها في مقام الحلم، والحلم يأوّل ولا يفسّر.