لذا؛ صحيح أن الآية فيها مجاز مرسل كما ذهب البلاغيون، ولكن غير صحيح أن مجاز الآية في كلمة"الخمر"فقط، كما ذهب بعضهم، إذ لا يمكن ادعاء التجوز في"الخمر"إلا لأنها وردت في سياق الفعل"أعصر"، ذلك لأن الخمر لا تعصر إذ هي سائل، وإنما يعصر العنب الذي نتجت منه، إذن فالمجاز المرسل في إسناد الإعصار إلى الخمر بينما هو للعنب، فهو مجاز إسنادي إذ لو جردنا كلمة"خمر"، عن ملابساتها ونظمها من الألفاظ المجاورة لها، لفُهمت الخمر بمعناها الحقيقي المعروف الشائع بين الناس، وإذا وَصَلْتها بأخواتها انتهيت إلى تقرير المجاز لاستحالة إعصار الخمر، [1] وهكذا الأمر في الأمثلة الواردة في المجاز المرسل، فهي كلها مجازات في الإسناد.
فإذا تقرر أن المجاز المرسل يحتاج إلى النظم والسياق والتركيب، لإبراز بلاغته وبراعته، زال الفرق الذي اعتمد عليه البلاغيون عند التفرقة بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي، إذ كلاهما يكون في الإسناد من سياق ونظم وتركيب، من هنا لم يبق إلا تسميتهما مجازين عقليين للتحكم فيهما إلى العقل، أو مجازين لغويين، فالذين ذهبوا هذا المذهب اختاروا تسميتهما مجازين لغويين.
فكل هذه الحقائق تقودنا إلى التساؤل الثاني في المسألة، وهو:
ما دواعي القول بالمجاز العقلي من قبل القائلين به، أو بعبارة أوضح: كيف وجد المجاز العقلي في البلاغة العربية؟.
لم يقف أغلب المنكرين للمجاز العقلي عند هذا التساؤل؛ غير شوقي ضيف الذي يقول ذاكرا دواعي القول بالمجاز العقلي، من قبل الإمام عبد القاهر: «ولاحظ عبد القاهر من قديم أن الكلمات في المثال السالف مستعملة على حقيقتها، ولذلك لجأ إلى تصوّر المجاز في الإسناد، وهو تصور جاءه من اعتزاله ومن التفكير في الصانع الحقيقي للكون» [2] .هكذا يرى شوقي ضيف أن الذي حمل الإمام عبد القاهر الجرجاني على القول بالمجاز العقلي، هو عقيدته الاعتزالية من شدة التفكير في الصانع الحقيقي
(1) - ينظر، المدخل إلى دراسة البلاغة العربية، د. أحمد خليل، المرجع السابق، ص:97.
(2) - البلاغة، تطور وتاريخ، شوقي ضيف، المرجع السابق، ص:310.