للكون، وإرجاع كل الأفعال إليه حقيقة. وقد يؤيد هذا ما ذهب إليه أحمد أمين [1] في"ظهر الإسلام"إلى أن من أهم مبادئ المعتزلة، الدعوة إلى سلطان العقل، وتقديسه تقديسا عظيما، والحكم إليه في كل شيء حتى قدموه على النقل، وأن هذا الاعتقاد قد تسرب إلى البحوث اللغوية والأدبية، على يد من تبعهم من علماء اللغة والأدب، من ذلك القول بالقياس؛ أي استعمال ما لم يرو العرب قياسا على ما رووه، «وذلك من غير شك تحتاج إلى قوة عقلية» . [2] وقل مثل ذلك إن شئت في المجاز العقلي.
وقد تنهار هذه كلها أمام حقيقة واحدة، وهي ما تقرره كتب التراجم أن الإمام عبد القاهر الجرجاني، لم يكن معتزليا كما ذهب إليه دكتور شوقي ضيف، بل كان أشعريا أي في الاتجاه المعاكس للمعتزلة، وقد ذهبت كتب التراجم إلى أنه هو «الإمام أبوبكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، الأديب النحوي، والفقيه الشافعي، والمتكلم الأشعري» . [3]
ولكن هل كون الإمام من الأشاعرة ينفي الصبغة العقدية من المجاز العقلي؟ لا أعتقد ذلك، وخاصة عندما نستمع إلى محمد الجرجاني [4] ، إذ يقول مبينا اتخاذ هذا المبحث الأيدولوجيات العقدية بؤرة له: «إن الاستقراء دل على أن الإسناد المجازي ليس إلا في الأفعال، وهذه كثيرة جدا، وخصوصا على رأي الأشعري، فإن جميع الأفعال المذكورة في القرآن المسندة إلى الإنسان عنده من هذا القبيل، لأنه لا
(1) - ولد أحمد أمين سنة: 1886 م بالقاهرة، توفي سنة: 1954 م، له سلسلة في دراسة الفكر والعقل الإسلامي في"فجر الإسلام"و"ضحى الإسلام"و"ظهر الإسلام"، ينظر، د. خليل أحمد خليل، موسوعة أعلام العرب المبدعين في القرن العشرين، دار الفارس، الأردن، ط/ 1، 2001 م، 1/ 97.
(2) ــ أحمد أمين، ظهر الإسلام، دار ابن الجوزي، ط/1، القاهرة، 2010 م، 4/ 30 ــ 31.
(3) - بغية الوعاة، السيوطي، المرجع السابق، 2/ 106.
(4) - هو محمد بن علي بن محمد الجرجاني، الاستراباذي منشأ ومولدا، الحلّي الغروري مسكنا، له مصنفات عدة في علوم كثيرة، منها: الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة، والشافي في الفقه، وروضة المحققين في تفسير الكتاب المبين، وغيره، معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، 11/ 46، بواسطة مقدمة محقق الإشارات والتنبيهات، أ. د. عبد القادر حسين، مكتبة الآداب، ط. بدون، 1997 م، ص: ج ــ هـ.