كان لابد من سوق عدد من الأمثلة الحية التي تجسد هذه الخصلة لتكون دليل عمل لنا:
روى الإمام أحمد بسنده الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو على حصير، قال، فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب - جلد - معلق، فابتدرت- ذرفت- عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟! فقال: يانبي الله، ومالي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه خزانتك.
قال: يا ابن الخطاب: أما ترضى بأن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟!.
وروى الإمام أحمد في مسنده أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على ابنه عبدالله وعنده لحم، فقال ما هذا اللحم يا عبدالله؟! قال: اشتهيته، فقال عمر: وكلما اشتهيت شيئًا أكلته؟ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهاه!!.
إن الزهد والقناعة لا تعني ترك الدنيا، إنما ترك جعلها غاية وجعلها وسيلة لرضوان الله والاستغناء بما عند الله تعالى.
(5) اعملوا ولا تكاسلوا:
أخرج البخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (( ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) ).
وهكذا فكل الأنبياء كان لهم الفخر أن عملوا وتعبوا وأكلوا من كسب أيديهم: فنوح كان نجارًا، وإدريس كان خياطًا، وإبراهيم كان بزازًا، وداود كان يصنع دروع الحديد، وسليمان كان يصنع المكاتل، وعيسى كان يأكل من غزل أمه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان يرعى الغنم عليهم صلوات الله وسلامه.