فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 177

على أنّك إن ظفرت في هذا الزمان ب (أحدُ الفصحاء) فهو الكبريت الأحمر. وإنّي - على قلّة التّجربة، وطرح عصا التّسيار - لا أكادُ أظفر به إلاّ في كتاب، أو تحت التّراب.

وبعدُ، فلنُجلِّي الفرق بينهما، حذرًا من مَعَرَّة الخطأ في لفظهما، وقُبْحِ عدم التّمييز بين دلالة كُلٍّ منهما؛ فإنّه لَعمري وبالٌ عظيم، وشَرٌ مستطير؛ لمَن كان له من لُغته شيءٌ من الحَمِيَّة والغَيرة [1] !.

قال في أدب الكاتب (ص 17) : (باب معرفة ما يضعُه النّاسُ في غير موضعه، مِن ذلك أشفارُ العَيْن، يذهبُ النّاسُ إلى أنّها الشَّعَر النّابتُ على حروفِ العين وذلك غلطٌ؛ إنّما الأشفارُ حروفُ العَيْن الّتي يَنبتُ عليها الشَّعَر. والشَّعْرُ والشَّعَر هو الهُدْبُ. وشُفْرُ كلِّ شيءٍ: حرفُه وكذلك شَفيرُه، ومنه يقال: شَفيرُ الوادي وشُفْرُ الرَّحِم. فإن كان أحدُ الفصحاء سَمَّى الشَّعْر شُفْرًا فإنّما سمّاهُ بمَنبتِه؛ والعربُ تُسمِّي الشّيءَ باسم الشّيء إذا كان مُجاورًا له، أو كان منه بسبب على ما بيّنتُ لك في باب تسمية الشّيء باسم غيره) .

نعم، إنّ العامةَ، وبعض الخاصّة تجعلُ الشُّفْر الشََّعَر النّابتَ على حروفِ العين، وهو غلط؛ فليس الشُّفْر مِن الشَّعَر في شيءٍ. لكن يقال إنّ:

1.الأشفار: جمع (الشُّفْرُ) بالضمّ، وقد يُفتَح: شُفْرُ العين، وفي الّلغةً: حرفُ كلِّ شيءٍ، وناحيتُه، ومنه شَفِيرُ الوَادِي

ونَحْوِه، تقولُ: قعدوا على شَفيرِ النّهر، والبئرِ، والقبرِ. وشَفيرُ جهنّم، وشُفْرُ الرَّحِم وشافِرُها حروفُها، وشَفْرَةُ السَّيْفِ حَدُّهُ.

قال الجوهريّ [2] : (وهي حروفُ الأَجْفانِ الّتي يَنبُتُ عليها الشَّعَر، وهو الهُدْب [3] ، أو قُلْ: هي مَنابتُ الهُدْب على الجُفون، والّتي تَلْتَقِي عند التَّغميضِ. تقولُ: قَرِحَتْ أشفارُ عَيْنَيْهِ مِن البكاء.

وفي مجمع الأَمثال (1/ 324) : (مَا تَرَكَ اللهُ له شُفْرًا ولا ظُفْرًا، ولا أَقذًا ولا مَرِيشًا. أي ما تركَ له شيئًا) ، وفي حديث [4] سعد بن الرَّبيع أنّه قال: (لا عُذْرَ لَكُمْ إِن وُصِلَ إِلى رسولِ الله صلّى اللّه عليه وسلّم وفيكُم شُفْرٌ يَطْرِفُ) .

2.الأهداب: الهُدْبُ، بالضَّمِّ على المشهور، وبضّمَّتَيْنِ لُغَةٌ فيه: الشَّعْر النّابتُ على أشفارِ العين. ومنه قولُهم: هَدِبَتِ

العيْنُ هَدَبًا: طالَ هُدْبُها، وهو أهدبُ الأشفار، يعني طويلَ الأهداب، وطال هُدْبُ الثَّوْبِ وهُدَّابُه. ورجلٌ أَهْدَبُ: سابغُ الهُدْب كثيرُه. وامرأةٌ هَدْباء: طويلةُ أهدابِ العَينين. وفي صفتِهِ [5] صلّى اللّه عليه وسلّم: (كان أَهْدَبَ الأَشْفار) ، وفي رواية: (هَدِبَ الأَشفار) أَي: طَويلَ شَعَر الأَجْفان.

(1) - لاتقل: الغِيرة بكسر الغين؛ فإنّه مِن لحن العامّة.

(2) - الصِّحاح في اللّغة (2/ 701 شفر) .

(3) - يعني: الهُدْب.

(4) - الّلسان (4/ 418 - 419) ، وغريب الحديث لابن الجوزيّ (1/ 549 باب الشِّين مع الفاء) ، والنّهاية (2/ 484 - 485 باب الشِّين مع الفاء) .

(5) - الّلسان (1/ 780) ، والنّهاية (5/ 567) ، وغريب الحديث لأبي عبيد (3/ 28) ، وتاج العروس (4/ 379 هدب) ، وهو مخرّج في مسند أحمد (1/ 89 رقم 684) و (1/ 101 رقم 796) و (1/ 151 رقم 1299) ثلاثتها عن عليّ رضي الله عنه بلفظ: (هَدِبَ الأشفار) ، وفي (2/ 328 رقم 8334) و (2/ 448 رقم 9786) كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: (أَهْدَبَ أَشفارِ العَينين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت