74 -بَيْنَ القِوامَة وَ القِيام وَ القِوام [1] : لقد شاعَ في عصرِنا كلماتٌ منها ما له أصلٌ صحيحٌ في لغتنا العربيّة، ومنها ما لا يمتُّ للغتِنا بأيِّ صِلَة؛ لأنّها من الدّخيل الهجين، حيث أُقحِمت في العربيّة؛ لأسبابٍ كثيرة منها ظنُّهم أنّها بحاجة لمثل هذا التّطعيمِ الخارجيّ من لغاتِ العالم ولهجاتِه؛ جاءَ ذلك بناءً على زعمهم من أنّ العربيّة فقيرةٌ في مفرداتِها، جامدةٌ في قواعدِها، لا تستطيعُ وإنْ أرادتْ مسايرةَ الأحداث والتّطوُّرات الحاصلة في دنيا النّاس في شتّى مجالات الفنون والعلوم التّجريبية والنّظريّة!. وكأنّهم ما دَرَوْا أنّها وسعتْ كتابَ اللّه عزّوجلّ، وشريعتَه الخالدة، وأنّها الوحيدة من بين لغاتِ العالَم أجمع الّتي استطاعت بما حَباها اللّه تعالى من خصائص أن تكونَ أصدقَ مُعبِّر عن مكنوناتِ الضّمائر، وخفايا
(1) - جذر هاتين اللّفظين هو (ق وم) ، كما قال في اللّسان (12/ 503 ع 2) : (وقامَ كان في الأصل قَوَمَ أَو قَوُمَ فصار قام) .قال الطّبريّ في تفسيره (3/ 4 /167 النّساء 5) : (وأمّا قوله: الّتي جعل اللّه لكم قياما فإنّ قياما وقيما وقواما في معنى واحد. وإنّما"القِيام"أصله"القِوام"، غير أنّ"القافَ"الّتي قبل"الواو"لمّا كانت مكسورة، جُعِلت"الواوُ""ياءً"لكسرة ما قبلها، كما يقال:"صُمْت صِيامًا"،"وحُلْت حِيالا"، ويقالُ منه:"فلانٌ قِوام أهل بيته"و"قِيام أهل بيته") ، وقال في (5/ 7 /49 المائدة 97) : (وقيل: قِيامًا للنّاس بالياء، وهو من ذوات الواو، لكسرة القاف، وهي فاءُ الفعل، فجُعِلت"العين"منه بالكسرة"ياءً"، كما قيل في مصدر: قمتُ قِيامًا، وصمتُ صِيامًا، فحُوِّلت"العينُ"من الفعل: وهي"واوٌ""ياءً"لكسرة فائه. وإنّما هو في الأصل:"قمتُ قِوامًا"، و"صمتُ صِوَامًا"، وكذلك قولُه:"جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِيامًا للنّاس"، فحُوِّلتْ، واوُها ياءً، إذ هي"قِوام".وقد جاء ذلك مِن كلامهم مَقولًا على أصله الذي هو أصلُه قال الرّاجز: * قِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين * فجاء به بالواو على أصله) .
وقَِوامُ الأمر بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وقُومِيَّته: نِظامُه ومِلاكُه وعِمادُه الَّذِي يَقُومُ بِه ويَنْتَظِمُ. وقد َتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً (قِيام) جَوَازًا مَعَ الْكَسْرَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكَسْرِ (قِيام) ، قَال تَعَالَى {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النّساء/5] ، وقال: {جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِيامًا للنّاسِ} [المائدة/97] أي: قِوامًا لهم يقومُ به معاشُهم ومعادُهم. قال أَبو عبيدة:"هو قِوامُ أهل بيته، وقِيامُ أهل بيته، وهو الذي يُقيم شأْنَهم مِن قوله تعالى:"ولا تُؤتوا السُّفهاءَ أَموالَكم الّتي جَعلَ اللهُ لكم قِيامًا".وقامَ على أهله: تَولَّى أمرَهم، وقامَ بنفقاتِهم. وماءٌ قائمٌ: دائمٌ. وقامَ على الأمر: دامَ وثبتَ، وقِوامُ الجِسم تمامه، وقِوامُ كلِّ شيءٍ ما استقام به. وفي الحديث: (قِوامُ أُمَّتي بشِرارها) [صحيح الجامع 2/ 813 رقم 4413: حسن] ، والقِوامُ من العيش: بالكسر ما يقيمُ الإنسانَ من القُوت، وقال صاحب القاموس (1/ 1487) : (القَوام كسَحاب ما يعايش به، وبالكسر نظامُ الأمر وعماده) ؛ففرّق بينهما. قال في النّهاية (4/ 124 قوم) :"وفي حديث المسألة: أَو لذي فَقْرٍ مُدْقِع حتى يُصِيب قَوامًا من عيش. أَي ما يقوم بحاجته الضرورية"."