73 -بَيْنَ الأَشْفَارِ وَ الأَهْدَابِ: إنّهم، ومنذ زمنٍ بعيدٍ [1] لا يكادُ أكثرُ النّاس يَفْرُقُون بينهما من حيث الدّلالةُ الوضعيّةُ الصّحيحةُ؛ فتراهم يلفظون كلمة (الأشفار) وهم يريدون (الأهداب) !؛ اعتقادًا منهم أنّ كلمة (الأشفار) هي الشَّعَر النّابتُ على جَفْنِ العين!.
وذا من الأخطاء القديمة الّتي درجت عليها العامّةُ، وبعضُ الخاصّة؛ لا يُحسِنون تَوظيفَها وَفقَ الوَضع العربيّ الصَّحيح الفصيح.
ولا يُعترض بمقالة ابن قتيبة - رحمه اللّه - في أدب الكاتب (ص 17) [2] : (فإن كان أحدُ الفصحاء سَمَّى الشَّعْرَ شُفْرًا؛ فإنّما سمّاه بمَنبتِه؛ والعربُ تُسمِّي الشَّيءَ باسم الشّيءِ إذا كان مجاورًا له، أو كان منه بسبب؛ على ما بيّنتُ لك في باب تسميةِ الشّيءِ باسمِ غيرِه)
فيقال: قولُه: (فإن كان أحدُ الفصحاء) قَيْدٌ مُهِمٌّ في تَسْويغِ ذاك الاستعمال؛ فَمَنْ لي ب (أحدُ الفصحاء) في هذا الزّمان، الّذي خربتْ فيه الألسنة بركاكة التّراكيب، ومُيوعة الأساليب، وزاد الطِينَة بِلَّةً أنّ تِلْكُم الألسنة الخَرِبَة كَثُرَ ما تَستجدي [3] رَطانة الأعاجم؛ طلبًا لِتَزْويقِ الكلام، وتَحسينه زعموا. وبَلِيَّةُ هؤلاء مَرَدُّها إلى فقر قاموسِهم اللُّغويّ؛ لأنّهم أهملوا لغتَهم، فلم يرفعوا لها رأسًا؛ فكانت النّتيجة ما نسمعُ، ونقرأ مِن سَقَط الكَلِم، وفَجاجَة العبارت؛ فلِلَّه المُشتكى من غُربة العربيّة في عُقر دارها، وبين أبنائها العَقَقَة!.
(1) - قد نبّه على هذا الغلط كلٌّ من: ابنُ قتيبة في أدب الكاتب (ص 17 باب معرفة ما يضعه النّاس في غير موضعه) ، وابنُ منظور في الّلسان (1/ 780 ع 1 هدب) ، وابنُ المطرّز في المغرب (1/ 447) ، والفيُّوميّ في المصباح المنير (ص 190 ع 2 شفر) ، والمُناويّ في التّوقيف على مهمّات التّعاريف (1/ 432) ، والزّبيديّ في تاج العروس (4/ 379، 12/ 207 - 208) ، و
(2) - قال ذلك في: (باب معرفة ما يضعه النّاس في غير موضعه) .
(3) - وذا مرضٌ في النّفوس غائر، قد ابتُلِيَ به كثيرون. وقديمًا قال ابن خلدون في المقدّمة (ص 147) : (الفصل الثالث والعشرون في أنّ المغلوبَ مُولَعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شِعاره وزِيِّه ونِحْلتِه وسائرِ أحوالِه وعَوائدِه) .