66 -هُوَ خَيْرٌ [1] مِنْهُ لاَ أَخْيَرُ، وَ شَرٌّ مِنْهُ لاَ أَشَرُّ [2] :(ويقولون: فلانٌ أَشَرُّ مِن فلانٍ، والصّوابُ أن يقالَ: هو شَرٌّ مِن فلانٍ بغير ألف، كما قال اللّه تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ} [3] وعليه قولُ الرّاجز [4] :
إِنَّ بَنِي لَيْسَ فِيهِم بَرُّ * و أُمُّهُم مِثلُهُم أو شَرُّ
إَذَا رَأَوْهَا نَبَحَتْنِِي هَرُّوا
.. وكذلك يقال: فلانٌ خَيْرٌ مِن فلانٍ بحذف الهمزة، لأنّ هاتين اللّفظتين كثُرَ استعمالُهما [5] في الكلام، فحُذفتْ همزتُهما للتّخفيف [6] ، ولم يلفظوا بهما إلاّ في فعل التّعجُّب خاصّة، كما صحّحوا فيه المعتلّ فقالوا: ما أخير زيدًا وما أشرَّ عَمرًا، كما قالوا: ما أقْوَلَ زيدًا!. وكذلك أُثبِتَتِ الهمزة في لفظ الأمر فقالوا: أَخْيِرْ بزيدٍ، وأَشْرِِرْ بعَمرٍو، كما قالوا: أَقْوِلْ به؛ والعِلّة في إثباتها في فعلَيّْ التّعجُّب والأمر؛ أنّ استعمال هاتين اللّفظتين اسمًا أكثرُ من استعمالِهما فِعلًا، فحُذِفَتْ في موضع الكثرة، وبقيت على أصلها في موضع القِلّة، فأمّا قراءة أبي قلابة: {سَيَعْلَمُون غَدًا مَنِ الكَذَّابُ الأَشَرُّ} [7] فقد لُحِّنَ فيها، ولم يُطابِقْهُ أحدٌ عليها) [8] .
(1) - و (خير) لا تُثنّى ولا تُجمع. تقول: هو خير النّاس، هي خير النّاس، هما خير النّاس (تذكيرًا وتأنيثًا) ، هم خير النّاس، هنّ خير النّاس.
(2) - هذا الإيقاظ المتعلّق بهاتين اللّفظتين إنّما هو خاصٌ بورودهما بصيغة التّفضيل ليس غير.
(3) - قد جرى القرآن الكريم على هذا السّنن في توظيف هاتين الكلمتين، في مواضع عدّة، ولعلّها تنحصر فيما يلي: البقرة/54، 61، 103، 184، 197، 216، 220، 221، 263، 271، 280.وآل عمران/ 54، 110، 150، 157، 178، 180، 198.والنّساء/25، 59، 77، 128.والمائدة/60، 114.والأنعام/32، 57.والأعراف/12، 26، 85، 87، 89، 155، 169.والأنفال/19، 22، 30، 55.والتّوبة/3، 41، 109.ويونس/58، 109.وهود/86.ويوسف/39، 57، 59، 64، 77، 80، 109.والنّحل/30، 95، 126.والإسراء/35.والكهف/44، 46، 95. ومريم/73، 75، 76.وطه/73، 131.و الأنبياء/89.والحج/ 30، 58.والمؤمنون/29، 72، 109، 118.والنّور/11، 27، 60.والفرقان/3، 15، 24.والنّمل/36، 59، 89.والقصص/26، 60، 80، 84.والعنكبوت/16.والرّوم/38.وسبأ/39.والصّافات/62.و ص/76.وفُصّلت/40.والشّورى/36.والزّخرف/32، 52، 58.والدّخان/37.والقمر/43. والمجادلة/12.والصّف/11.والجمعة/9، 11.والمزمّل/20.والأعلى/17.والضّحى/4.والقدر/3.والبيّنة/6 - 7.
(4) - هو أعشى بن مازن بن عَمرو بن تميم كما في: المؤتلف والمختلف في أسماء الشّعراء للآمديّ (ص 18 رقم 18 باب الهمزة) .
(5) - لسان العرب (4/ 400 ع 1 - 2) .
(6) - وكان الأصل فيهما: أَخْيَر وأَشْرَر. قال في الإنصاف في مسائل الخلاف (2/ 491) :"... لأنّ الأصل أَخْيَر مِنك وأَشْرَر منك إلاّ أنّهم حذفوا الهمزة منهما لكثرة الاستعمال وأدغموا إحدى الرّاءين في الأخرى من قولهم شَرٌّ مِنك لِئَلاَّ يجتمع حرفان متحرِّكان من جنس واحد في كلمة واحدة لأنّ ذلك ما يستثقل في كلامهم ...".و بمثله قال في اللّباب في علل البناء والإعراب (1/ 447) ، ومجمع الأمثال (1/ 47) .
(7) - القمر/26.
(8) - دُرّة الغوّاص (ص 47 - 48 رقم 33) .